قوله: (بمانحه حيث تنسبونه إلى الأنواء) بمانحه أي بمعطيه ومنعمه. قوله حيث
تنسبونه إلَى الأنواء إشَارَة إلَى أن الْمُرَاد بالرزق المطر مَجَازًا فإنه سبب الرزق. قوله مانحه
بالنون والحاء المهملة من المنحة أي العطية.
قوله: (وَقُرئَ «شكركم» أي وتجعلون شكركم [لنعمة] القرآن أنكم تكذبون به) وَقُرئَ
شكركم. نقل عن ابْن عَبَّاسٍ وعلي - رضي الله تَعَالَى عنهم - قوله لنعمة الْقُرْآن والقرينة كون
الْكَلَام في مدحه ولو حمله عليه أولًا لكان أمس بالمقام وفي جعل التَّكْذيب شكرًا اسْتعَارَة
تهكمية كقوله: تحية بينهم ضرب وجيع.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
روح المحتضر حلقَوْمه ترجعونها إلَى مقامها إن كنتم صَادقينَ إنكم غير مربوبين بل مهملون
معطلون ثم قرن به (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ) للتتميم يعني أن
قربهم لا ينفع وأنهم غير قادرين عَلَى الرجع، وقدم أحد الشرطين عَلَى جواب لولا للاهتمام، وأما
الواحدي فلخص الْمَعْنَى حيث قال: الْمَعْنَى إن كان الأمر كما تقولون إنه لا بعث ولا حساب ولا
جزاء ولا إله يحاسِب ويجازِي فهلا تردون نفس من يعز عليكم إذا بلغت الحلقوم، وإذا لم يمكنكم
ذلك بوجه فاعلموا أن الأمر إلَى غيركم وهو الله تَعَالَى ثم ذكر طبقات الخلق عند الموت بقوله فأما.
أي فأما إن كان الذي بلغت روحه الحلقوم من المقربين عند اللَّه فله روح. إلَى قَوْله: (وأما إن كان) أي
المتوفى من أصحاب اليمين، وأما إن كان من المكذبين. أي بالبعث (فَنُزُلٌ) أي فنزله من حميم. وقال
الطيبي رحمه الله: النظم يساعد هذا الْقَوْل لكن إنما يتم إذا قلنا: إن المنكرين بالبعث ما أنكروه
بطَريق إيراد الشبهة كالدهرية والطبيعيين، بل لأنه ألهاهم التنعم في الدُّنْيَا والترف بلذاتها عن التزود
لدار الْجَزَاء بدليل قوله: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ(45) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (46)
أي يحلفونَ ويصرون عليه أن لا بعث ولا حساب ويقولون نحن الآن
نستوفي لذَّاتِنا من الدُّنْيَا كقَوْله تَعَالَى: (بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ) أي ليدوم
على فجوره فيما بين يديه من الأوقات لا يفرغ عنه. وفي كلام صاحب الكَشَّاف: إنكم في
جحودكم عَلَى مذهب يؤدي إلَى الإهمال والتعطيل إشعار بهذا الْمَعْنَى فالفاء في قوله:(فلولا
إذا بلغت)الروح الحلقوم تسببية عَمَّا قبلها وكذا الفاء في (أفبهذا الْحَديث)
وفي (فلا أقسم) وهلم جرا من الفاءات المصدرات بهمزة
الإنكار في (أفرأيتم) و (أفرأيتم) إلَى أن يتصل بقوله:(إنهم كانوا قبل ذلك
مترفين)فلما وبخوا عَلَى قولهم: (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ(47)
وهدم باطلهم لأنواع من البراهين القاطعة وعد قبائحهم. قيل لهم فلولا إذا بلغت الروح
الحلقوم وأنتم حِينَئِذٍ تنظرون. يعني إن كان الأمر كما تقولون إنه لا بعث ولا حساب ولا جزاء ونحن
الآن طيبون فهل تردون نفس ما يعز عليكم إذا بلغت الروح الحلقوم وأنتم حِينَئِذٍ تنظرون إليه وإلى ما
هو فيه من السكر هل تقدرون أن ترجعونها إلَى مقامها إنْ كُنْتُمْ صَادقينَ [في إنكم] (غير مدينين)
وإليه الإشَارَة بقوله إن لم يكن ثمة قابض وكنتم صَادقينَ في تعطيكم وكفركم بالمحيي
والمميت. [. فإن قيل كَيْفَ يصح هذا الاستدلال] فإن من قال بالتعطيل بحبل الموت إلَى الطبيعة لا
إلى القادر الْمُخْتَار فلا يقال لهم ترجعونها؟ أجيب بأن الطبيعي يزعم أنه قادر عَلَى تغيير الطبيعة بالمعالجة
فقيل لهم فهل ترجعون الروح من الحلقوم إن كنتم صَادقينَ في ذلك. قال الإمام: الطبيعي عنده إن البقاء
بالغذاء وإن الأمراض زوالها بالدواء ممكن.