قوله (مما يريبهم) أي يوقع الريب والشك إياهم خبر أنَّ (كما حكى الله عنهم فقال:(وَقَالَ
الَّذينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزّلَ عَلَيْه الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحدَةً).
قوله: (فكان الواجب) أي اللائق كالواجب بمعنى الْحكْمَة (تحديهم) أي طلب
المعارضة والإتيان بمثل أقصر سورة في الاشتمال عَلَى كمال البلاغة والبراعة من الحداء
يتعارض فيه الحاديان (عَلَى هذا الوجه) أي عَلَى سبيل التدريج (إزاحة) إزالة(للشبهة وإلزامًا
للحجة)فإنه أسهل من أن ينزل الْقُرْآن جملة فيتحدى بها فإذا عجزوا عن إتيان هذا الأسهل
مع ادعائهم بأنهم في ذروة العليا من البلاغة زال عنهم الريبة والشبهة فحِينَئِذٍ يكون إلزامًا
للحجة وعن هذا قال الْمُصَنّف في سورة هود تحداهم أولًا بعشر سور ثم لما عجزوا عنها
سهل الأمر عليهم وتحداهم بسورة فإذا عجزوا عن عشر سور فما ظنك بمجموع السور
فإنهم ربما يعتذرون بأن عجزهم لكثرة ما تحدى به، وأما سورة واحدة فلا مجال لهم لإبراز
المعذرة وعند ذلك يتحقق إزاحة الشبهة وإلزام الحجة كأنه قيل إن ارتبتم في شأن ما أنزلناه
على مهل وتدريج فهاتوا أنتم مثل نوبة فذة من نوبه ونجم فرد من نجومه فإنه أيسر عليكم
من أن ينزل جملة واحدة ويتحدى بالكل وما موصولة ونزلنا متعد مَفْعُوله مَحْذُوف راجع
إلى ما أي مما نزلناه وكونه متعديًا لا ينافي كونه للتكثير وللتدريج ولو بالإشَارَة؛ إذ مثل هذا
يكفي فيه انفهامه من الْكَلَام ولو لم يكن مقصودًا في بيان المرام، أَلَا [تَرَى] أن الْمُصَنّف قد
صرح آنفًا في قَوْله تَعَالَى: (الَّذي جَعَلَ لَكُمُ) بأن فيه تمثيلًا بطَريق الإشَارَة فلم لا يجوز هنا
أن يكون التدريج منفهما بالإشَارَة فيما يكون التدريج صحيحًا حسنًا فيه كما فيما نحن فيه إذ
التكثير في الْفعْل مطابق للواقع فلا يناسب تخطئة الشَّيْخَيْن في مثل هذا الأمر الهين وإنكار
إشارات البلغاء وخواص التركيب من أقبح المكابرة ثم مراد الْمُصَنّف ليس أنه لو اخْتيرَ
الْإنْزَال يفوت مطابقة الواقع لأن الْإنْزَال ليس بمختص بالدفعي مُطْلَقًا بل إذا قوبل
بالتدريجي، كَمَا صَرَّحَ قدس سره في أوائل حاشية الكَشَّاف، وأما إذا لم يقابل فهو أعم من
الدفعى والتدريجي كما فيما نحن فيه فلا يفوت مطابقة الواقع وتمام التبكيت أَيْضًا فإنه
حِينَئِذٍ يراد به التدريجي بمعونة أن الواقع كَذَلكَ لكن التنزيل لكونه مختصا به غير محتمل
للدفعي ما لم يدل عليه قرينة اخْتيرَ في التنزيل الحميد لتمام التبكيت وإلزام الحجة، وأما إذا
لم يكن ذلك التبكيت مقصودًا فاخْتيرَ الأفعال كقَوْله تَعَالَى:(والَّذينَ يُؤْمنُونَ بما أنزل
إليك)الآية. وقَوْلُه تَعَالَى: (إنَّا أَنْزَلْنَاهُ في لَيْلَة الْقَدْر) الآية.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
منزل عَلَى سبيل التدريج فأتوا ببعض نجومه وهذه الحجة التبكيت لأنها إفحام للخصم بعين ما يريد
به بطلان الشيء وذلك أنهم كانوا يقولون لم لم ينزل الْقُرْآن جملة واحدة ليكون عَلَى خلاف ما
يشاهد من الشعراء والخطباء؛ إذ لو كان كلام الله لم يكن عَلَى سنن ما ترى عليه الخطابة والشعر
فأجيبوا بأن النزول هكذا كما هُوَ دأبكم وعادتكم أسهل لكم أن تأتوا بمثله أو تحدّيتم بمثله فلا
يشق عليكم معارضته فلو نزل جملة واحدة وتحدّيتم به لصعب عليكم معارضته فإذا لم تأتوا بأقصر
سورة منه فقد دل ذلك عَلَى حقيته وبطلان قولكم وهذا قريب من قول الموجب.