المبراة والطاعة قبل الهجرة فنزلت للحث عَلَى العود إلَى المجاهدة وأنواع الْعبَادَة [التي]
كانوا عليها قبل الهجرة فجملة (أَلَمْ يَأْنِ) جملة مُسْتَأْنَفَة ناعية عليهم
تثاقلهم في أمور الدين إثر بيان أنهم يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم فمن كان حاله
كَذَلكَ يَنْبَغي أن يجتهد كل الاجتهاد في فنون العبادات. وعن ابن مسعود - رضي الله تَعَالَى عنه -
ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين. وخصوص السبب لا ينافي
عموم الحكم.
قوله: (أي الْقُرْآن وهو عطف عَلَى الذكر [عطف أحد الوصفين عَلَى الآخر] ) تنزيلًا
لتغاير الوصفين منزلة تغاير الذات كما مَرَّ غير مرة، هذا إذا كان الْمُرَاد بذكر الله الْقُرْآن؛ إذ
ذكر الله في كلامه تَعَالَى الْقُرْآن في الأكثر.
قوله: (ويجوز أن يراد بالذكر أن يذكر الله. وقرأ نافع ويَعْقُوب وحفص(نَزَلَ) بالتخفيف
وَقُرئَ «أنزل» ) ويجوز الخ. فعلى هذا يظهر تغايرهما ذاتًا ولو نظر إلَى أن التغاير بالذات هُوَ
الأصل في العطف وقدم هذا لكان أولى. والتَّعْبير بالْخُشُوع أبلغ من الْخُضُوع وهو الانقياد
التام لأوامره والعكوف عَلَى العمل والاجتناب عن النواهي والإسناد إلَى القلب لأنه صلاح
سائر الأعضاء وفساده منوط به.
قوله: (عطف عَلَى تخشع. وقرأ رويس بالتاء) فيكون التفاتًا لمزيد التوبيخ.
قوله: (والْمُرَاد النهي عن مماثلة أهل الْكتَاب فيما حكى عنهم بقوله:(فطال عليهم)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
وبين [أن] عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين. وعن ابن عبَّاس أن الله استبطأ قلوب الْمُؤْمنينَ فعاتبهم عَلَى
رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن. وعن الحسن أما والله لقد استبطأهم وهم يقرءون من الْقُرْآن أقل
مما تقرءون منه فانظروا في طول ما قرأتم منه وما ظهر فيكم من الفسق. وعن أبي بكر رضي الله
تَعَالَى عنه أن هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من أهل اليمامة فبكوا بكاء شديدًا فنظر إليهم
فقال هكذا كنا حتى قست الْقُلُوب. يعني أن الله تَعَالَى استبطأ خُشُوع قلوب الصحابة رضوان الله
عليهم أَجْمَعينَ وعاتبهم عَلَى عدم تأثير الْقُرْآن فيها سريعًا مع ما كانوا عليه من الْخُشُوع وكانت
قراءتهم من أقل قراءتكم فتَفكَّرُوا أنتم في حالكم وما أنتم عليه من الفسق مع كثرة القراءة فهو
شاهد بأن قلوبهم كالحجارة قسوة.
قوله: عطف عَلَى الذكر عطف أحد الوصفين عَلَى الآخر. عَلَى أن يكون الْمُرَاد من الْمَعْطُوف
والْمَعْطُوف عليه شَيْئًا واحدًا وهو الْقُرْآن فالعطف راجع إلَى تغاير الوصفين. والْمَعْنَى أن تخشع
قلوبهم للقرآن الجامع بين كونه ذكرًا وموعظة وليس كونه حقًا نازلًا منَ السَّمَاء.
قوله: ويجوز أن يراد بالذكر أن يذكر اللَّه تَعَالَى، فعلى هذا يكون الْمَعْطُوف والْمَعْطُوف عليه
متغايرين بالذات بخلاف الوجه الأول فإنهما فيه متحدان بالذات متغايران بالوصف.