يقتضه أي ما يقتضي قول المظَاهر وهو الحرمة فتداركهم الْمُرَاد به تلافي ما صدر من
التقصير، وإنما فصل قوله ومنه عاد الغيث؛ إذ التدارك لاخْتصَاصه بالعقلاء ينسب إلَى الغيث
بطَريق التمثيل والتَّجَوُّز وعوده إحياؤه. والحاصل أن الْمُرَاد بالعود في مثله التدارك بالإصلاح
لا بالتكرير والتقرير فإن الغيث ونحوه يفسد بعض الْأَرْض ونحوه، ثم نقض ذلك بما فيه من
البركة وكذا فيما نحن فيه.
قوله: (وذلك عند الشَّافعيّ بإمساك الْمُظَاهَر [منها] في النكاح زمانًا يمكنه مفارقتها فيه)
وذلك أي التدارك عند الشَّافعي بإمساك الْمُظَاهَر [منها] الخ. فحِينَئِذٍ كلمة (ثُمَّ) الدَّالَّة عَلَى
التراخي الزماني بالنظر إلَى انتهائه لكون الإمساك مبتدأ فأوله معقب وآخره متراخ عن
الظهار ومثله يجوز إتيانه بالفاء وبـ ثم كقَوْله تَعَالَى:(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً
فَأَخْرَجْنَا بِهِ)الآية. وفي مَوْضع آخر ثم أنبتنا به أشير إلَى ذلك في المطول. قوله
يمكنه مفارقتها الخ. وفي نسخة يسعه. فالعود عنده إمساكها عقيب الظهار ولو لحظة وذلك أن
لا يقطع نكاحها فإن مات أحدهما أو جُن الزوج أو قطع بطلاق [بائن] أو رجعي من غير
رجعة أو باشترائها وهي رقيقة أو باللعان عنها عقيبه أو بأن علق عليه الطلاق فليس بعائد
ولا كفارة هكذا في الكُتب الشَّافعية المعتمد عليها كالوجيز كذا قيل.
قوله: (ذ التشبيه يتناول حرمته لصحة استثنائها منه) أي التشبيه في قوله كظهر أمي
في الظهار يتناول حرمة الإمساك والدليل عليه صحة الاستثناء بأن يقول أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي
إلا في حرمة الإمساك والاتصال أصل في الاستثناء.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
ولو بنظرة شهوة عند أبي حنيفة رحمه الله، والعزم عَلَى الجماع عند مالك رحمه الله، والجماع عند
الحسن. وما ذهب إليه الشَّافعيّ من الإمساك المجرد هُوَ أقل ما ينقض به وفوقه ما ذهب إليه أبو
حنيفة، وفوقه ما ذهب إليه مالك، وفوقه ما ذهب إليه الحسن. فإذا فعل المظَاهر أحد هذه الأشياء
يكون عائدًا متداركًا تحريمه بالعود فتحل له بالتكفير، وإن لم يفعل من هذه الأفعال شَيْئًا لا يكون
عائدًا وإذا لم يكن عائدًا لا يلزمه الكفارة؛ لأن الْكَفَّارة وإنما تكون بعد العود لقوله: (ثُمَّ [يَعُودُونَ] )
فإذا لم يعد يبقى التحريم عَلَى حاله إذا لم يكن متداركًا بالعود حتى تحل له بالْكَفَّارة.
قوله: إذ التشبيه يتناول حرمته. أي حرمة إمساكها في النكاح بعد الظهار. هذا تعليل لجعل
مجرد الإمساك العاري عن الوطء عودا إلَى ما قال بالنقض، فإن الإمساك إنما يكون عودًا إذا كان
حرامًا والْكَفَّارة لا تكون إلا بعد ارْتكَاب المحظور شرعًا فوجه تناول التَّشبيه حرمة الإسساك أن
التشبيه تحريم الزوجة بقوله: أنت [علي] كظهر أمي. والتحريم كما يتناول حرمة الوطء ودواعيه يتناول
أيضًا حرمة الإمساك فإذا أمسكها قدر ما يمكن له التطليق فيه ولم يطلق فقد ارتكب حرامًا يجب فيه
الْكَفَّارة فإذا كفَّر حلت له. والحاصل أن الْمُرَاد بالتدارك هنا إيجاب المظَاهر عَلَى نفسه كفارة الظهار
بارْتكَاب فعل حرام اقتضى حرمة ذلك الْفعْل تشبيه زوجته بمحرمه من النساء، ثم تكفيره لتحل له
زوجته الْمُظَاهَر [منها] . أقول: فيه إن الإقدام عَلَى الحرام حرام لا يَنْبَغي للمكلف أن يقدم عليه ليحصل
به حل استماع زوجته كما لو أراد أن يزني العياذ باللَّه عَلَى قصد أن يتوب بعده أو بفعل حسنة
مكفرة، ومن قال تجب الْكَفَّارة بنفس الظهار من غير اشتراط بالعود يريد بالعود الرجوع بالْكَفَّارة