الحرب هاربة عن أزواجها فإنه في حكم الموت. قوله وانفلت هذا الْمَعْنَى أمس بالمقام
والسبق لا يظهر وجهه بل يفهم منه خلاف المقصود، فالأَوْلَى الاكتفاء بالانفلات.
قوله: (أحد من أزواجكم، وقد قرئ به وإيقاع شَيْءٌ موقعه) إذ الشيء وإن عم الموجود
سواء كان من ذوي العلوم أو لا، والمعدوم أَيْضًا في اللغة أو يرادف الموجود مُطْلَقًا في اصْطلَاح
الأشاعرة لكنه ظَاهر اسْتعْمَاله في الأمور المحقرات وفي غير العقلاء إلا إذا [قامت] قرينة عَلَى
خلافه وهنا لما اختار الكفر عَلَى الْإسْلَام ألحقت بالجماد فعبر به دون أحد.
قوله: (للتحقير والمُبَالَغَة في التعميم) لما عرفت من أن شيء بحسب اللغة عام
وأشمل من لفظ أحد فحصلت المُبَالَغَة في التعميم بالعدول عن لفظ الأحد إليه ولو اكتفى
بالوجه الأول لكان أحسن؛ إذ المُبَالَغَة المقصودة هنا تحصل من أحد لوقوعه في سياق
الشرط ولا حاجة إلَى إشباع التعميم إلَى ما لا يعم الأحد إليه.
قوله: (أو شيء من مهورهن) من مهور أزواجكم بتقدير الْمُضَاف وهذا مستلزم
لانفلات الأزواج فحِينَئِذٍ ذكر الشيء في موقعه، لكن أخَّره لاحتياجه إلَى التقدير ولانتفاء
المُبَالَغَة والتحقير.
قوله: (فجاءت عقبتكم أي نوبتكم من أداء المهر) أشار به إلَى أن عاقب هنا مفاعلة
من العقبة لا من العقاب كما هو الأكثر اسْتعْمَالًا والعقبة بمعنى النَّوْبَة ولذا قال أي نوبتكم.
قوله من أداء المهر من مقتضيات المقام. قوله فجاءت بيان حاصل الْمَعْنَى وفي الْكَلَام نوع
احتباك؛ إذ ذكر في الأول ذهاب أزواج الْمُؤْمنينَ إلَى دار الحرب فلم يذكر نوبة أداء المهر
وهنا ذكر نوبة أداء الْمُسْلمينَ المهر، ولم يذكر هجرة أزواج الْكُفَّار مؤمنة إلينا لما ذكر
حكمهن في الآية المتقدمة مفصلًا.
قوله:(شبه الحكم بأداء هؤلاء مهور نساء أولئك تارة وأداء أولئك مهور نساء
هؤلاء أخرى بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب وغيره)شبه الحكم أي
المحكوم به فإن الحكم قد يستعمل في المحكوم به فيوافق ما في الكَشَّاف. قوله بأداء
هَؤُلَاء الباء فيها ظرفية. وقيل فيه تسامح؛ إذ الْمُرَاد المحكوم به وهو أداء المهر. قوله بأمر
متعلق بشبه فأَشَارَ إلَى أن (فعاقبتم) اسْتعَارَة تبعية وكلامه غير منتظم
للاسْتعَارَة التمثيلية؛ لأنه جعل المشبه والمشبه به مفردين [إلا أن] يقال: اكتفى بذكر الجزء
الأعظم من الهيئة المأخوذة من أمور عديدة يتعاقبون أي الرفقاء مثلًا يتعاقبون في
الركوب عَلَى دابة واحدة يركب أحد الرفيقين عَلَى دابة لهما والآخر بعده، وما نحن فيه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وإيقاع شيء موقعه للتحقير والمُبَالَغَة في التعميم. أي ذكر شيء موقع أحد ليفيد أنه لا يترك
شيء من هذا الجنس وإن قلَّ وحقر غير معرض عنه تغليظًا وتشديدًا في هذا الحكم مُبَالَغَة في تحقيقه.