قوله: (أي وخلق مثلهن في العدد من الْأَرْض. وَقُرئَ بالرفع عَلَى الابتداء والخبر)
في العدد اختار ما قاله الْجُمْهُور من أنها سبع أرضين طباقًا بعضها فوق بعض بين كل أرض
وأرض مسافة خمسمائة عام وغلظ كل أرض كَذَلكَ. وفي الكَشَّاف: قيل بين كل سمائين
مسيرة خمسمائة عام وغلظ كل سماء كَذَلكَ، والْأَرْضون مثل السَّمَاوَات، وفي كل أرض سكان
من خلق الله تَعَالَى إما ملائكة أو جن. قال الماوردي: وعلى هذا [تختص] دعوة الْإسْلَام بأهل
الْأَرْض [العليا] دون من عداهم وإن كان فيهن من يعقل من خلق وهم يشاهدون السماء
واستمدادهم الضوء منها. وقيل لا يشاهدون السماء وأن الله تَعَالَى خلق لهم ضياء يشاهدونه.
وقال الضحاك: مطبقة بعضها فوق بعض من غير فتوق بخلاف السَّمَاوَات. قال الْقُرْطُبيُّ:
والأول أصح لأن الأخبار دالة عليه. وعن ابْن عَبَّاسٍ - رضي الله تَعَالَى عنهما - أنها سبع أرضين
متفرقة بالبحار وتظل الجميع السماء، ويقربه ما قيل: الْمُرَاد الأقاليم السبعة، وقول الْجُمْهُور هُوَ
الْمَشْهُور المعول عليه لموافقته ظَاهر الآية.
قوله: (يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ) وهو النزول عَلَى مهل وقتًا غب وقت لأنه مطاوع نزل، ولا يخفى
أنه أنسب هنا لأن جريان قضاء الله تَعَالَى بينهن وقتًا بعد وقت.
قوله: (أي يجري أمر الله وقضاؤه بيهن وينفذ حكمه فيهن) أي النزول مجاز عن
ذلك؛ إذ النزول هُوَ الحركة من العلو وهي من خواص الأجسام فالْمُرَاد الجريان والنفوذ؛ إذ
النزول يستلزمه قوله وقضاؤه تنبيه عَلَى أن الأمر واحد الأمور بمعنى القضاء أي الحكم
وعن قتادة في كل سماء وفي كل أرض خلق من خلقه وأمر من أمره وقضى من قضائه.
انتهى. وفيه دليل عَلَى أن في كل أرض خلق مكلفون كما فصله صاحب اللباب في سورة
البقرة. وبالْجُمْلَة لا قطع في شيء من الاحتمالات فلا يكفر من أنكرها أو تردد فيها، وإنَّمَا
القطع كون الْأَرْض مثل السَّمَاوَات في العدد وفي كونها سبعًا بأي معنى أريد إجمالًا وهذا
القدر قطعي يكفر جاحده أو متردده.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أي وخلق مثلهن في العدد من الْأَرْض. قيل ما في الْقُرْآن آية تدل عَلَى أن الْأَرْض سبع
إلا هذه. روي عن الإمام أحمد بن حنبل والترمذي وأبي هريرة رضي الله عنهم قال: بينما النَّبيّ صلى
الله تَعَالَى عليه وسلم جالس وأصحابه [قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ مَرَّتْ سَحَابَةٌ فَقَالَ:"أَتَدْرُونَ مَا هَذِهِ؟"قَالَ: قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:"الْعَنَانُ، وَرَوَايَا الْأَرْضِ، يَسُوقُهُ اللهُ إِلَى مَنْ لَا يَشْكُرُهُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَا يَدْعُونَهُ، أَتَدْرُونَ مَا هَذِهِ فَوْقَكُمْ؟"قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:"الرَّقِيعُ، مَوْجٌ مَكْفُوفٌ، وَسَقْفٌ مَحْفُوظٌ، أَتَدْرُونَ كَمْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا؟"قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:"مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ عَامٍ"، ثُمَّ قَالَ:"أَتَدْرُونَ مَا الَّتِي فَوْقَهَا؟"قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:"سَمَاءٌ أُخْرَى، أَتَدْرُونَ كَمْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا؟"قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:"مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ عَامٍ حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ"، ثُمَّ قَالَ:"أَتَدْرُونَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ؟"قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:"الْعَرْشُ"، قَالَ:"أَتَدْرُونَ كَمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ؟"قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:"مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ عَامٍ"، ثُمَّ قَالَ:"أَتَدْرُونَ مَا هَذَا تَحْتَكُمْ؟"قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:"أَرْضٌ، أَتَدْرُونَ مَا تَحْتَهَا؟"قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:"أَرْضٌ أُخْرَى، أَتَدْرُونَ كَمْ بَيْنَهُمَا؟"قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:"مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ عَامٍ حَتَّى عَدَّ سَبْعَ أَرَضِينَ"] بين كل أرضَين خمسمائة سنة. الْحَديث.