قوله: (من أوجد الأشياء) أي خلق بمعنى أوجد لا بمعنى قدر. والْمَفْعُول
مَحْذُوف للتعميم مع الاختصار فيدخل خلق السر والجهر دخولًا أوليًّا فَكَيْفَ لا يعلمه
والإيجاد يستلزم العلم الفعلي عَلَى التَّفْصيل. ولو قال ألا يعلم من أوجد السر والجهر
على أن الْمُرَاد بهما الحاصل بالمصدر لكان أمس بالمرام كما اكتفى بهما في تقدير
مَفْعُول يعلم، والْقَوْل بأن تقدير العموم إشَارَة إلَى صغرى الدليل وهي أن كلًا منهما شيء
وكل شيء مخلوق لأن قوله: (وهو اللطيف الخبير) [سيق] لإفادة
استلزام الخلق للعلم ضعيف؛ لأنه يقتضي تقدير مَفْعُول يعلم عامًا للإشَارَة إلَى صغرى
دليل علمه بالسر والجهر وهو أهم فما هُوَ جوابكم فهو جوابنا وعادة الْمُصَنّف تقدير
الخاص في مثل هذا المقام لأنه أشد اتصالًا بما قبله.
قوله: (حسبما قدرته حكمته) أي اقتضته حكمته. هذا بيان للواقع لا المُسْتَفَاد من الْكَلَام.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
اجهروا به) بيان استواء الحالين بالنسبة إلَى علمه الشامل وهو كالمدعى وقوله:
(إنه عليم بذات الصدور) دليله وقوله: (ألا يعلم من خلق) دليل
الدليل الأول وبرهانه المثبت له والدليل الأول برهان المدعى فقوله(أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ
اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)تعليل لإحاطة علمه بجميع الكائنات جزئيًا وكليًا ظاهرا وباطنًا. قال
الإمام: الآية تدل عَلَى أن العبد غير موجد لأفعاله وذلك أنه تَعَالَى لما قرر أنه عالم بالسر والجهر
وبكل ما في الصدور قال بعده (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ) وهذا الْكَلَام إنما يتصل بما قبله لو كان تَعَالَى
خالقًا لكل ما يَفْعَلُونَه في السر والجهر وفي الْقُلُوب والصدور فإنه تَعَالَى لو لم يكن خالقًا لها لم
يكن قوله (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ) مقتضيًا كونه تَعَالَى عالمًا بتلك الأشياء. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون
الْمُرَاد ألا يعلم من خلق الأجسام فيلزم منه أن يكون عالمًا بهذه الأشياء؟ قلنا إنه لا يلزم من كونه
خالقًا لغير هذه الأشياء كونه عالمًا بها؛ لأن من يكون فاعلًا لشيء لا يلزم أن يكون عالمًا بشيء آخر.
لكن يلزم من كونه خالقا لها كونه عالما بها. وقال الطيبي: إنما لا يلزم منه ذلك إن لم يقيد خلق
بقوله: (وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) فالْمَعْنَى خلق الأجسام وهو عالم بأحوالها ما ظهر
منها وما بطن. والحق أن قوله (إنه عليم بذات الصدور) تذييل في معرض
التعليل، وقوله: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) تذييل لذلك التذييل
واقع في موقع التعليل أَيْضًا ومن حقه أن يكون أعم من التذييل الأول وأشمل منه فيدخل فيه
دخولًا أوليًّا، فعلى هذا يجب أن يكون مَفْعُول خلق عامًا شاملًا للأشياء خصوصًا إذا قيد بقوله
(وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) ولذا [فسر] رحمه الله تَعَالَى (مَنْ خَلَقَ) بقوله من أوجد
الأشياء. وما قرره الإمام مبني عَلَى اعتبار الخصوص في الْمَفْعُول فإن الْمَعْنَى عَلَى تقريره ألا يعلم
سركم وجهركم مَن خلقهما. قال صاحب الانتصاف: هذه الآية حجة عَلَى الزَّمَخْشَريّ فإن العبد لا
يخلق أفعال نفسه لأنه لا يعلمها، وهو استدلال بثبوت الخلق عَلَى ثبوت العلم فالوجه في الآية أن
مَن فاعل يعلم، ومَفْعُول الخلق مَحْذُوف وهو السر والجهر تقديره: ألا يعلم السر والجهر مَن
خلقهما، وغير هذا الوجه تكلف. وهذا نظر دقيق فإن في تَخْصيص ذكر الخالق دون سائر الأسماء
في مقام إثبات العلم إشعار بأن الخالق يَنْبَغي أن يكون عالمًا بما خلقه وبتفصيله، وفيه إدماج
لمعنى أن العبد غير خالق لأفعاله لأنه لا يعلمها.