بقدرته مما يشتعل كالحطب وتعذيب مانعي الزكاة بإحمائها وكيّهم لأنهم لما تداووا بجمعها
كان آخر دوائهم الكي كما قال تَعَالَى: (فَتُكْوَى بهَا جبَاهُهُمْ) الآية. وشتان ما
بَيْنَهُمَا كذا قيل. ولا يخفى ما فيه لأن هذا الوجه يقتضي أيضًا عدم تعذيب الْكُفَّار بهما إلا
بالإحماء والكي لا بالاشتعال في جهنم ولا يلائم قَوْلُه تَعَالَى: (أُعدَّتْ للْكَافرينَ)
فالوجه للتَّخْصِيص هُوَ أن هذا العذاب في الْكُفَّار للخلود والتأبيد هُوَ الكامل الْمُتَبَادَر عند الإطلاق
كان عذاب الْمُسْلمينَ لانقطاعهم كلا عذاب بالنسبة إلَى عذاب الْكُفَّار.
قوله: (وقيل حجارة الكبربت) وجه التمريض ظَاهر من تقريره وهذا أضعف كما أن
الثاني ضعيف ولذا أخَّره عنه وبالغ في الإنكار قوله(وهو تَخْصيص بغير دليل وإبطال
بالمقصود)بخلاف التَّفْسيرين السابقين فإن قَوْلُه تَعَالَى: (إنكم وما تَعْبُدُونَ)
الآية. دليل عَلَى التَّفْسير الأول وقَوْلُه تَعَالَى: (والَّذينَ يكنزون الذهب والفضة)
الآية. قرينة عَلَى التَّفْسير الثاني والْقُرْآن يفسر بعضه بعضًا كما هُوَ الْمَشْهُور، والْمُرَاد بالتَّخْصِيص
هنا التَّقْييد ؛ إذ لا تَخْصيص في الحجارة، ولك أن تقول: الجمع المحلى باللام يفيد الاسْتغْرَاق
عند عدم القرينة عَلَى العهد فهذا عام خص منه البعض بدليل كما عرفت وكذا النَّاس عام
خص منه البعض بدلالة (أُعدَّتْ للْكَافرينَ)
قوله:(إذ الغرض تهويل شأنها وتفاقم لهبها بحَيْثُ تتقد بما لا يتقد به غيرها.
والكبريت [يتقد] به كل نار وإن ضعفت، فإن صح هذا عن ابْن عَبَّاسٍ - رضي الله تَعَالَى عنهما - فلعله
عني به أن الأحجار كلها لتلك النَّار كالحجارة الكبريت لسائر النيران) إلَى قَوْله عنى به
جواب عن قولهم إن القرينة الْعَقْليَّة قائمة عليه لأنه لا يتقد من الحجارة غيره مع أنه الثابت
في التفاسير المَأْثُورة دون غيره فإنه أخرج مسندًا في السنن وصحح روايته عن ابْن عَبَّاسٍ
وابن مسعود - رضي الله تَعَالَى عنهم - الطبراني والحاكم والبيهقي وغيرهم. وحاصل الْجَوَاب أن
صحة هذه الرّوَايَة غير معلومة ولئن سلم صحته فلا بد وأن يكون مأولًا بأن الأحجار كلها
أي الأحجار التي يعبدونها لتلك النَّار كحجارة الكبريت الخ. والداعي إلَى هذا التأويل كون
المَعْنَيَيْن الأولين مؤيدين بالآيات كما عرفته، والْقَوْل بأن المسير الوارد عن الصحابة فيما
يتعلق بأمر الْآخرَة له حكم الرفع بإجماع المحدثين لا يفيد ؛ إذ الْإخْبَار الآحاد لا تقاوم
بالآيات وكذا الْقَوْل بأنه قد رجحه كثير من الْمُفَسّرينَ وعللوه بأنه أشد حرًا وأكثر التهابا
وأسرع إيقادًا مع نتن ريحه وكثرة دخانه وكثافته وشدة التصاقه بالأبدان فلتَخْصيصه وجه بل
وجوه رواية ودراية ضعيف لما عرفته من أن مثل هذا لا يعارض ما ذكره الْمُصَنّف حيث
أيده بالآية الكريمة، ولقوله إن الأحجار كلها في النشأة الأخرى في غاية من الصّفَة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: تَخْصيص بغير دليل ؛ إذ لا قرينة في سياق الآيات عَلَى أن يراد بالحجارة حجارة
الكبريت ولا دليل من التنزيل وغيره عَلَى إرادة ذلك منها .