قوله: (محدودة من الزمان الممتد الغير المحدود) أي مقدرة متعينة في نفسها وإن لم
تكن معلومة لنا وقيده به لأنه تفسير حين وهو بعض من الدهر وهو الزمان الممتد الغير
المحدود فما هُوَ بعض منه فهو محدود لا محالة هذا بناء عَلَى مذهب الحكماء. قال في
سورة البقرة: المدة المطلقة امتداد حركة الفلك من مبدئها إلَى منتهاها والزمان مدة مقسومة
الخ. فالحين عبارة عن امتداد حركة الفلك الأطلس امتدادًا محدودًا معينًا بالأربعين سنة أو
مائة وعشرين إن أريد بالْإنْسَان آدم فإن مادة آدم المخمرة طينًا مدته هذه عَلَى الخلاف فيها
أو مدة الحمل إن أريد جنس الْإنْسَان كما هُوَ الظَّاهر ومدة الحمل أقلها ستة أشهر وأكثرها
سنتان عندنا والدهر عبارة عن امتداد حركة الفلك الأعظم امتدادا غير محدود لطوله.
وعلماؤنا أبطلوا كون الزمان عبارة عن حركة الفلك فالزمان عند الْمُتَكَلّمينَ عبارة عن أمر
متجدد معلوم يتجدد به أمر مبهم فالحين الزمان المحدود المعين والدهر الزمان الطويل
الغير المحدود الوهمي لأن الزمان عند المتكلمين أمر موهوم غير موجود وإن ناقش فيه
السبد قدس سره بأنه موجود فحِينَئِذٍ يكون الزمان الطويل المحقق والزمان الطويل جدًا يقال
إنه غير محدود لتعسر الإحصاء وإن كان محدودًا في نفسه لكونه متناهيًا في جانب الْمَاضي
وهذا هُوَ اللائق بجزالة النظم الجليل الموافق لقاعدة الشرع، وما ذكره الْمُصَنّف فغاية توجيهه
أن حركة الفلك الأعظم حادثة لكون الفلك حادثًا فغير محدوديته لطوله لا لأنه غير متناه
لقدمه كما زعم الفلاسفة، فحِينَئِذٍ يكون كلامه موافقًا لقاعدة الشرع في الْجُمْلَة وإمامنا توقف
في معنى الدهر المنكر كما ذكر في كتاب الإيمان. يعني فما الْمُرَاد به عرفًا فإذا حلف أن لا
يكلم زيدًا دهرًا لا يعرف بماذا يحنث.
قوله: (بل كان شيئًا منسيًا غير مذكور بالإِنسانية كالعنصر والنطفة) أشار به إلَى أن
النفي راجع إلَى القيد. قوله غير مذكور بالإِنسانية بيان معنى كونه منسيًا فلا ينافيه كونه
مذكورًا بمادته كما قال كالعنصر والنطفة. قال في تفسير قَوْلُه تَعَالَى في سورة مريم:(ولم
تك شَيْئًا)بل كنت معدومًا صرفًا وفيه دليل عَلَى أن المعدوم ليس بشيء.
ومقتضاه كون النفي هنا راجعًا إلَى المقيد مع القيد فتدبر. وعدي أتى بـ على لأنه بمعنى مر أي
مر عَلَى الْإنْسَان مجاز؛ إذ الإتيان من خواص الأجسام فيكون هنا مَجَازًا عن المرور؛ لأن
الإتيان مستلزم للمرور ولم يكن الْإنْسَان حين مرور الزمان الممتد عليه إنسانًا بالْفعْل فيكون
مَجَازًا أوليًا ولم يجئ هكذا (هل أتى عَلَى الْإنْسَان حين) لم تكن الآية
للمُبَالَغَة في كونه معدومًا صرفًا أو للتنبيه عَلَى أن الْمُرَاد ما هُوَ بالْقُوَّة القريبة من الْفعْل فما
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
حياته. وما روي في الْحَديث «لا تسبّوا الدّهر فإنّ الله هو الدّهر» قد قيل معناه: إنّ الله فاعل ما يضاف
إلى الدّهر من الخير والشّرّ والمسرّة والمساءة، فإذا سببتم الذي تعتقدون أنه فاعل ذلك فقد سببتموه تعالى عن ذلك. وقال بعضهم: الدّهر.
الثاني في الخبر غير الدّهر الأوّل، وإنما هو مصدر بمعنى الفاعل، ومعناه: أنّ الله هو الدّاهر، أي: المصرّف المدبّر المفيض لما يحدث، والأول أظهر].