قوله:(أو أنزله جملة واحدة من اللوح إلَى السماء الدُّنْيَا عَلَى السفرة ثم كان جبْريل
ينزله عَلَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نجومًا في ثلاث وعشرين سنة)جملة واحدة فحِينَئِذٍ لا مجاز في
النسبة ولا في الطرف، لكن لا إنزال إلَى الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ وهو المقصود كما صرح به في
عموم المواضع، ولذا أخّره كلا وجه لما قيل وهو الأصح؛ إذ الْمَعْنَى كما في سائر المواضع
إنا أنزلناه إليك في ليلة القدر والْقَوْل بأن إنزاله إلَى السماء الدنيا بمنزلة إنزاله إلَى الْأَرْض
ضعيف؛ لأن إنزاله إلَى الْأَرْض يوجب العمل به دون الْإنْزَال إلَى السماء. قال المص في
أوائل البقرة: ولعل نزول الكتب الْإلَهيَّة عَلَى الرسل بأن يتلقفه الملك من الله تَعَالَى تلقفًا
روحانيًا، أو يحفظها من اللوح المحفوظ فينزل به [فيبلغه إلى] الرَّسُول. ولم يتعرض لهذا
الاحتمال هناك ولم يبينوا ما هُوَ الْحكْمَة في ذلك، فالظَّاهر أن هذا الاحتمال غير مرضي عند
المص وإن اختاره صاحب الكَشَّاف ورضي به بعض أرباب الحواشي. والسفرة جمع سافر
بمعنى كاتب من السفر بمعنى الكتبة، والْمُرَاد هنا الْمَلَائكَة الكرام في السَّمَاء الدُّنْيَا. قوله
نجومًا متفرقًا عَلَى حسب المصالح في ثلاث وعشرين سنة وهي مدة إرساله إلَى ارتحاله
لدار البقاء وهذا هُوَ الأصح. وقيل في عشرين سنة قوله: (خير من ألف شهر)
ليس فيها ليلة القدر لئلا يلزم تفضيلها عَلَى نفسها ولئلا يلزم التسلسل.
قوله: (وقيل الْمَعْنَى أنزلناه في فضلها) وهذا جواب ثالث عَمَّا يقال إن الْقُرْآن لم
ينزل جملة واحدة في وقت واحد أخّره؛ لأنه خلاف الظَّاهر مع أنه يحتاج إلَى تقدير مضاف
كما قال في فضلها والظرفية حِينَئِذٍ مجازية في اللباب عَلَى نحو قول عمر رضي الله تَعَالَى
عنه لقد خثيت أن ينزل في أي في شأني الْقُرْآن فيكون اسْتعَارَة تبعية كما حقق في زيد في
نعمة أي الاسْتعَارَة اعتبرت أولًا في الظرفية التي هي اسم ثم اعتبر في لفظة (في) تبعًا لها
والْمُرَاد بالْقُرْآن حِينَئِذٍ السُّورَة لما عرفت من أن الْقُرْآن في الأصل اسم جنس يطلق عَلَى
الكل والبعض وكونه علمًا لمجموعه باعْتبَار الغلبة وكون (إنا أنزلناه) من
السورة لا يأباه لما مَرَّ في أول الدرس من أن مرجع الضَّمير هُوَ المجموع من حيث
المجموع ولا يلزم الْإخْبَار عن نفسه، والبعض اختار كون الْمُرَاد بالمرجع قوله:(وما أدراك
ما ليلة القدر)إلَى آخره. احترازًا عن الإشكال الْمَذْكُور لكن فيه الإضمار قبل
الذكر فلا تغفل.
قوله: (وهي في أوتار العشر الأخير من شهر رمضان) لقَوْله تَعَالَى:(شَهْرُ رَمَضَانَ
الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ)مع قوله: (إنَّا أَنْزَلْنَاهُ في لَيْلَة الْقَدْر)
وكونه في أوتار العشر الخ. لقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ:"التمسوها في العشر الأواخر من رمضان"
فاطلبوها في كل وتر"."
قوله: (ولعلها السابعة منها) لأنها مختار أكثر العلماء، وإنما قال ولعلها لعدم الجزم