ولذا قال والداعي إلَى إخفائها فقوله وهي في أوتار العشر الخ. بطَريق الترجي أَيْضًا بقرينة
قوله: ولعلها السابعة.
قوله: (والداعي إلَى إخفائها) فيه إشَارَة إلَى أن كون ابتداء النزول فيها لا يفيد التعيين
مع أن ابتداء النزول معلوم عند الصحابة لأنه دائر بين العشر الأخير وشهر رمضان كله ولذا
قيل هي الليلة الأُولى من رمضان أو الليلة السابعة عشر منه أو التاسعة عشر منه وغير ذلك.
ولما كانت تنتقل في كل شهر رمضان لا سبيل للتعيين، والْقَوْل تنقل في كل سنة يخالف
ظَاهر النظم الكريم لما عرف من أن الْقُرْآن أنزل في شهر رمضان وأنزل في ليلة القدر إلا
أن يقال إن إنزال الْقُرْآن في شهر رمضان صادف في ليلة القدر وتحققت ليلة القدر في
رمضان في زمن الوحي. وقيل هي متعينة لا تنقل ثم اختلفوا في تعيينها عَلَى ثمانية أقوال
كما مَرَّ بيان بعضها والمص اختار عدم تعيينها فقال والداعي إلَى إخفائها أي عَلَى الْقَوْل
بأنها أخفيت أي حكمة إخفائها والتَّعْبير بالداعي للمُبَالَغَة.
قوله: (أن يُحيِي من يريدها ليالي كثيرة) أي من يريد إصابتها ليالي كثيرة من
رمضان أو من السنة وإحياء الليل مجاز عن الْعبَادَة في كلها أو أكثرها كما أن إحياء
الْأَرْض إنما هُوَ بالنباتات والخضروات فإن الْعبَادَة تعطي شرفًا وزينة وضياء معنويًا كما
أن الحياة توجب شرف الحي وزينته فهو اسْتعَارَة تبعية، وهذه الْحكْمَة في الإخفاء
كحكمة إخفاء ساعة الإجابة في الجمعة والاسم الأعظم من بين الأسماء ليعظموا كل
الأسماء وليدعوا بكل الجمعة تشويقًا للاجتهاد وتنشيطًا للمبرات في عموم الأوقات
وهذا من دأب العُبَّاد من السلف الزهاد.
قوله: (وتسميتها بذلك لشرفها) أي بليلة القدر لشرفها من القدر بمعنى الشرف وهذا
بناء عَلَى أن للزمان شرفًا [بجعل] اللَّه تَعَالَى له شرفًا.
قوله: (أو لتقدير الأمور فيها لقَوْله تَعَالَى:(فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ)
من القدر بمعنى التقدير أي لتقدير الأرزاق والآجال فيها لقَوْله تَعَالَى:
(فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) أي في تلك الليلة وهي ليلة القدر يفرق كل أمر
حكيم أي محكم أو ملتبس بالْحكْمَة التي [تستدعي] أن ينزل فيها الْقُرْآن الذي من عظائم
الأمور فإن نزولها سبب للمنافع الدينية والدنيوية وهذا بناء عَلَى أن مرجع الضَّمير ليلة القدر
وإن كان راجعًا إلَى ليلة البراءة فلا يتم الاستدلال، والْمُرَاد إظهار تقديره للْمَلَائكَة فإن التقدير
أزلي لقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ"جف القلم"فالْمُرَاد في مثله الإبداء لا الابتداء، وفي هذا الْمَعْنَى لا
يلاحظ معنى الشرف لكن فيه شرف لتقدير الأمور فيها. وقيل شرافتها لشرافة المنزل وفيه
خفاء؛ إذ الْمُتَبَادَر الشرف قبله. نعم يزداد الشرف به.
قوله:(وذكر الألف إما للتكثير، أو لما روي أنه عليه الصلاة والسلام ذكر إسرائيليًا
يلبس السلاح في سبيل الله ألف شهر)إما للتكثير فإن العرب تذكر الألف ولا تريد
حقيقتها بل تريد المُبَالَغَة في الكثرة إما فوق الألف أو دونه، فعلى الثاني ذكر الكل وإرادة