خبر جزاؤهم المفيد لكمال نفاستهم وفخامتهم وأنه لا يبلغ كنهه علم أحد سواه تَعَالَى
وهو اسْتعَارَة تمثيلية شبه الهيئة المأخوذة من جزائهم وكمال نفاستهم وانحصار علم كنهه
به تَعَالَى بالهيئة المنتزعة من أمر نفيس محفوظ عند الملك بحَيْثُ لا يصل يد غيره فذكر
لفظ المشبه به وأريد المشبه وجمع جنات إما لانقسام الآحاد إلَى الآحاد أو لكل مؤمن
جنات متكثرة وتَقْييدها إضافة أي إلَى عدن، والْمُرَاد بالعدن هنا الإقامة وجنات عدن ليست
علمًا هنا وادعاء علميتها في قَوْله تَعَالَى: (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ)
الآية. لكونها مَوْصُوفة بالمعرفة فالْمُرَاد بالوصف النعت النحوي وعدن هنا ليس اسمًا
مَخْصُوصًا من درجات الجنة بل عام لجميع الدرجات من الفردوس والمأوى وعليون
كَيْفَ لا وجنة عدن ليس مأوى لجميع الْمُؤْمنينَ (تجري من تحتها الأنهار) أي من
تحت أشجارها كما تراها جارية تحت الأشجار الثابتة عَلَى شواطئها. وعن مسروق أنهار
الجنة تجري من غير أخدود كذا قاله المص في البقرة. وقيل إن أريد بالجنات الأشجار
الملتفة الأغصان فالجريان ظَاهر، وإن أريد بها مجموع الْأَرْض وما عليها فباعتبار الجزء
الظَّاهر، وفي عرف الْقُرْآن الْمُرَاد بها دار الثواب وهو البستان المشتمل للأشجار والقصور
العالية والحور العين وغير ذلك فالترديد الْمَذْكُور ليس بمناسب هنا وضمير يزداد لما. قوله
نعيما لأن الماء الجاري أشرف ما يتلذذ به.
قوله: (وتأكيد الخلود بالتأبيد) من جملة المُبَالَغَة الخالي عنها عديله، وأما نفس
الخلود فمشترك بَيْنَهُمَا. وجه التَّأْكيد هُوَ أن الخلود في الأصل الثبات المديد دام أو لم يدم
فأكد بالتأبيد ليفيد أن الْمُرَاد بالخلود الدوام فالْمُرَاد بالخلود في العديل الدوام لتأكيده
بالتأبيد في مَوْضع آخر، وللإجماع عَلَى ذلك. وإرادة المكث الطويل غير صحيح.
قوله: (اسْتئْنَاف بما يكون لهم زيادة عَلَى جزائهم) أي اسْتئْنَاف نحو وإن أمكن جعله
اسْتئْنَافًا بيانيًا سواء كان إخبارًا أو دعاء وفي كل منهما مُبَالَغَة. أما الأول فلإفادته وقوع
الرضاء، [والتَّعْبير] بالْمَاضي لتحققه، والْمُرَاد الرضاء في الْآخرَة لقوله زيادة عَلَى جزائهم
ويحتمل العموم في الدُّنْيَا والْآخرَة، وإن خص بالْآخرَة فيعلم رضاءه في الدُّنْيَا باقتضاء النص
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: اسْتئْنَاف بما يكون لهم زيادة عَلَى جزائهم. قال الرَّاغب: رِضَا العبد عن الله: أن لا يكره
ما يجري به قضاؤه، ورِضَا الله عن العبد هو أن يراه مؤتمرا لأمره، ومنتهيا عن نهيه، قال الله تعالى:
(رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) والرضوان الرضا الكثير، ولمّا كان أعظم الرِّضَا رضا
الله تعالى خصّ لفظ الرّضوان في القرآن بما كان من الله تَعَالَى قال: (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا) .
وقال الجنيد: الرضا يكون عَلَى قدر قوة العلم والرسوخ في المعرفة والرضا حال