يشرك به وما في مقابلة غيره قد يخفف بالحسنات، ومعنى الإحباط المجمع عليه أنه لا
تنجيهم من العذاب المخلد كأعمال غيرهم، وهذا معنى كونه سرابًا وهباء بعيد جدًا؛ لأن قوله
تَعَالَى: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) إلَى قَوْله:[(لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا
عَلَى شَيْءٍ)]نص صريح في الإحباط بالكلية، واعتبار الْمَعْنَى الْمَذْكُور فيه
خارج عن الإنصاف لأنه نص في السلب الكلي. قال الْمُصَنّف لحبوطه فلا يرون ثوابها وهذا
يقطع التأويل بالمرة فضلًا عن التأويل الْمَذْكُور، وما نقل عن شرح المقاصد من أنه ثابت
بالْإجْمَاع كلام حق لا يحسن المناقشة فيه، وما نقل [عن] التبصرة وشرح المشارق وتفسير
الثعلبي من أن أعمال الكفرة التي لا يشترط فيها الإيمان كإنجاء الغريق وإطفاء الحريق
وإطعام أبناء السبيل يُجزى عليها في الدُّنْيَا ولا يدخر لهم في الْآخرَة كالْمُؤْمنينَ بالْإجْمَاع
للتصريح به في الأحاديث انتهى. صريح فيما ذكرناه لكن قولهم لا يشترط فيها [الإيمان] الخ.
مخالف لما صرح به عامة العلماء من أرباب الأصول وغيرهم من أن الإيمان شرط في
صحة الْأَعْمَال الحسنة ولم يستثنوا شَيْئًا منها من تلك القاعدة فهي مطلوبة البيان، وإن عمل
في كفره حسنات ثم أسلم اختلف فيه هل يثاب عليها في الْآخرَة أم لا؟ بناء عَلَى أن اشتراط
الإيمان في الاعتداد بالْأَعْمَال وعدم إحباطها هل هُوَ بمعنى وجود الإيمان عند العمل أو
وجوده ولو بعده؟ لقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ في الْحَديث"أَسْلَمْتَ عَلى ما سَلَفَ لَكَ مِنْ خَيْرٍ"كذا
قيل. وشراح الْحَديث كزين العرب وعلي القاري صرحوا في قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ"ثلاثة لهم"
أجران. رجل من أهل الْكتَاب آمن [بنبيه] وآمن بمُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَامُ"الْحَديث بأنه جعل"
الإيمان به عَلَيْهِ السَّلَامُ سببًا لقبول أعمال أهل الْكتَاب نصرانيًا كان أو يهوديًا. وقيل النصراني
فقط وإن كان منسوخًا كما ورد في الخبر"إن مبرات الْكُفَّار وحسناتهم مقبولة بعد [إسلامهم] "
انتهى. والْكُفَّار في قوله إن مبرات الْكُفَّار عام لأهل الْكتَاب والْمُشْركينَ، وهذا لطف من اللَّه
تَعَالَى وإلا فالشرط لا بد وأن يوجد عند وجود المشروط ووجوده بعد وجود المشروط غير
مفيد وكونه مفيدًا في غير هذا المحل غير مسموع أصلًا فالشارع جعل المبرات موقوفة عند
وجودها فإذا وجد الشرط بعد وجودها اعتبر وجوده مقدمًا عَلَى وجودها كما هُوَ شأن
الشرط، وله نظائر في الشرع، ونقل عن الكرماني أنه قال: إن التخفيف واقع لكنه ليس بعملهم
بل لأمر آخر كشفاعة النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وهذا عجب منه لأن قَوْلُه تَعَالَى:(ولا يقبل منها
شفاعة)وقوله: (ولا شفيع يطاع) نص في عدم قبول الشفاعة
لهم، إلا أن يقال أنه خاص لأبي لهب كما نقل عن الزركشي أنه قال من أنواع الشفاعة
التخفيف عن أبي لهب لسروره بولادة النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وإعتاقه لثويبة جاريته حين بشرته
بذلك، وليكن هذا مني رسالة للعاشقين.