لا ينفك عن حال مُطْلَقًا بداهة واتفاقًا، وصفة عطف تفسير لها يوجد عليها فيه إلَى أن الكفر
وجودي أي إنكار ما علم من الدين لا بمعنى عدم الإيمان، ويمكن حمله عليه بالعناية
استلزم الإنكار استلزامًا عقليًا كليًا، فإن استلزام انتفاء اللازم انتفاء الملزوم كلي عقلي
فالبرهان لمي حِينَئِذٍ، فهو أبلغ من البلاغة، وكونه من المُبَالَغَة يقتضي وجود أصل المُبَالَغَة في
(أتَكْفُرُونَ) وأبلغ أَيْضًا من هل تَكْفُرُونَ؟ ولم يتعرض له؛ لأن الهمزة شائع في الإنكار
بخلاف هل، وفي كلامه إشَارَة أنيقة إلَى أن المنكر يلي الهمزة، فلتضمن كَيْفَ معنى الهمزة
كان المنكر مدخوله وهو الحال؛ إذ تقديره عَلَى أي حالٍ تَكْفُرُونَ كما سيصرح به.
قوله: (وأوفق لما بعده من الحال) أي: (وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا) الآية. لما
سيأتي من أن الْمُرَاد بها علمهم بأحوالهم المقتضية الإيمان والإطاعة، فناسب التعرض لإنكار
الحال فقيل (كَيْفَ تَكْفُرُونَ) . وقيل فيكون نفي جميع أحوال الكفر المقتضي
لنفيه موافقًا لتلك الحال بالضرورة فتدبر.
قوله:(والخطاب مع الَّذينَ كَفَرُوا لما وصفهم بالكفر وسوء المقال وخبث الفعال.
خاطبهم عَلَى طريقة الالْتفَات، ووبخهم عَلَى كفرهم مع علمهم بحالهم المقتضية خلاف ذلك)
فَائدَة الخبر تمهيد لبيان الالْتفَات لما وصفتهم بالكفر حَيْثُ قيل: (وأما الَّذينَ كَفَرُوا)
والصلة في معنى التوصيف وسوء المقال بقوله (فيقولون ماذا أراد الله)
الخ. وخبث الفعال بقوله: (الَّذينَ ينقضون) الآية. خاطبهم عَلَى
طريق الالْتفَات. كون ما ذكر بعد لما سببًا لخطابه لهم محل تأمل، إلا أن يقال إنهم بذلك
الوصف صاروا متميزين عن غيرهم خوطب بسببه كأنه قيل: كَيْفَ تَكْفُرُونَ أيها الْمَوْصُوفون
بهذه الصفات الشنيعة الممتازون بسَبَب ذلك عن الغير. عَلَى أي حال تَكْفُرُونَ؟ ففي كلامه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: لما وصفهم بالكفر وسوء المقال وخبث الفعال الخ. وصفهم بالكفر مُسْتَفَاد من قوله:
(وأما الَّذينَ كَفَرُوا) وبسوء المقال من (ماذا أراد الله بهذا مثلًا)
وبخبث الفعال من (الَّذينَ ينقضون) إلَى آخر الآيات، ويجوز أن يستفاد وصفهم
بالكفر مما ذكر ومن قوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهمْ) الآية. ووصفهم بسوء
المقال من قول الْمُنَافقينَ عند أمرهم بالإيمان (أنؤمن كما آمن السفهاء) وقولهم
حين خلوهم مع شياطينهم (إنَّا مَعَكُمْ إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزئُونَ) لأن هذه الآيات مرتبطة
بما تقدمها من الآيات ومنتظمة بها كلام واحد
قوله: خاطبهم خطاب التفات. التفت من الغيبة إلَى الخطاب تفننًا [وهزًا لنشاط] السامع ومُبَالَغَة
في توبيخهم [وتقريعهم] في الخطاب أشد، والتَّعْبير مشافهًا أوقع في التخجيل مما وقع بأسلوب الغيبة.
قوله: مع علمهم بحالهم المقتضية خلاف ذلك. أي خلاف الكفر وهو الإيمان باللَّه، فإن
علمهم بأن لهم إلهًا محييًا وممييتًا ومبدئاً [ومعيدًا إليه] مصيرهم ومرجعهم يوم الْجَزَاء يقتضي أن
يؤمنوا به، فكفرهم مع علمهم بذلك منكر غاية الإنكار ومستبعد جدًا.