على السؤال حمل عَلَى إنكار الحال لما ذكره المص. قوله التي يقع أي الكفر عليها. أراد أن
كَيْفَ لإنكار عموم الأحوال التي يقع الكفر لا يَخْتَصُّ بحال العلم باللَّه تَعَالَى وجهله به، كما
ذهب إليه السكاكي يرشدك قوله لأن صدوره لا ينفك عن حال، ولم يقيدها بنحو علم
وجهل، ونظر المص أدق. أما أولًا فلأنه لا دلالة قوية عَلَى التَّخْصِيص، وأما ثانيًا فلأن
الأحوال التي يكون لذلك الْفعْل مزيد اخْتصَاص بها كالعلم به تَعَالَى، والجهل به هنا تدخل
فيه دخولًا أوليًّا فلا باعث للتَّخْصِيص، وأما ثالثًا فلأن إنكار عموم الأحوال التي يقع الفعل
عليها أبلغ وأقوى في استلزامه إنكار وجوده المقصود منه، وأما رابعًا فلأنه ملائم لوضعه؛ إذ
وضعها للسؤال عن مطلق الحال، والتَّخْصِيص ببعضها بمعونة القرينة لا ينافي العموم، وأما
خامسًا فلأن إنكار مطلق الحال وحقيقتها أنسب بسد أبواب المعذورة وبإقامة الحجة. قوله
على الطريق البرهاني. متعلق بإنكار الحال. أي الاستدلال عَلَى المدعي، والْمُرَاد هنا [الاستدلال]
بانتفاء اللازم عَلَى انتفاء الملزوم، ولا ريب في أن إيراد الشيء ببينة أبلغ وهذا سر كون
الكناية أبلغ، ثم حاول بيان كون هذا الإنكار عَلَى طريق برهاني، فقال لأن صدوره من الكفرة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
كان الإنكار بكَيْفَ [أوفق] وأبلغ من الإنكار بالهمزة، وأما وجه كون الإنكار بكَيْفَ أوفق لما بعده من
الحال وهو قوله عز وجل: (وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ) الآية. فهو كون الصارف حالًا أَيْضًا
فكأنه قيل حال كفركم ومعكم هذا الصارف، وهو علمكم بأن الله أَحْيَاكُمْ بعد كونكم عدما صرفًا، ثم
يميتكم بعد إحيائه إياكم، ثم يحيكم بعد إماتتكم، ثم يرجعكم إليه بعد الحياة الثانية. قال صاحب الكَشَّاف
ونظيره قولك أتطير بغير جناح؟ وكَيْفَ تطير بغير جناح، ثم قال فإن قلت: قولك أتطير بغير جناح إنكار
للطيران لأنه مستحيل بغير جناح، وأما الكفر فغير مستحيل، مع ما ذكر من الإماتة والإحياء. قلت قد أخرج
في صورة المستحيل لما قوي من الصارف عن الكفر والداعي إلَى الإيمان، ثم قَالَ فإن قلت: قد تبين أمر
الهمزة وأنها لإنكار الْفعْل والإيذان باستحاله في نفسه أو لقوة الصارف عنه فما تقول في كَيْفَ حيث
كان إنكارًا للحال التي يقع عليها كفرهم؟ قلت حال الشيء تابعة لذاته، فإذا امتنع ثبوت الذات تبعه امتناع
ثبوت الحال، فكان إنكار حال الكفر؛ لأنها تبيع ذات الكفر ورديفها إنكار الذات الكفر، وثباتها عَلَى طريق
الكناية، وذلك أقوى لإنكار الكفر وأبلغ، ثم قال وتحريره: أنه إذا أنكر أن يكون لكفرهم حال يوجد عليها.
وقد علم أنّ كل موجود لا ينفك عن حال وصفة عند وجوده. ومحال أن يوجد بغير صفة من الصفات
كان إنكارًا لوجوده عَلَى الطريق البرهاني. هذا وأنت تعرف أن المص رحمه الله قد أدى ما في هذه
الإطالة بكلام وجيز بحَيْثُ أغنى عنها نقل الطيبي عن صاحب الكَشَّاف أنه قال في الفرق بين الهمزة
وكَيْفَ إن كَيْفَ سؤال تفويض بإطلاقه فكأن الله تَعَالَى فوض الأمر إليهم في أن يجيبوا بأي شيء أجابوا
ولا كَذَلكَ الهمزة، فإنه سؤال حصر وتوقيت فإلك تقول أجاءك راكبًا أم ماشيًا؟ تتوقت وتحصر، ومعنى
الاطلاع ما قاله صاحب المفتاح: كَيْفَ سؤال عن الحال وهو بنظم الأحوال كلها، والْكُفَّار حين صدور
الكفر عنهم لا بد من أن يكُونُوا عَلَى إحدى الحالتين، إما عالمين باللَّه وإما جاهلين به، فإنه إذا قيل كيف
تَكْفُرُونَ؟ أفاد أفي حال العلم تَكْفُرُونَ بالله أم في حال الجهل؟ هذا هُوَ معنى التفويض في الآية. قال الرازي
إعراب كَيْفَ هَاهُنَا النصب عَلَى الحال، وليس بظرف؛ لأن الظَّرْف إما زمان أو مكان، وهو ليس شَيْئًا منهما
وأما عده من بعض الظَّرْف فلأنه لما كان في أكثر الأحوال حالًا شابه الظرف، وهو ليس بمضاف إلَى
الْفعْل بعده بل مفرد معرب محلًا بحسب اقتضاء العوامل .