فهرس الكتاب

الصفحة 1168 من 10841

الدنيوية والْأُخْرَويَّة ولذا تسامح فقال مترتبة عَلَى الأولى، والقرينة عَلَى ما ذكرنا. قوله عَلَى

الأولى حيث لم يقل عَلَى كل واحدة من الأولى، ولا ريب في أن الكل المجموعي مغاير

للكل الإفرادي فيصح الحكم عَلَى المجموعي باعْتبَار بعض أفراده. وقوله بقاؤهم ويتم به

معاشهم دليل واضح عَلَى أن الْمُرَاد الإحياء الأول فتأمل. قوله قادرين مُسْتَفَاد من الإحياء إذ

كون الحياة الأولى نعمة لا يتحقق إلا بالقدرة التي هي مناط التكليف، وهذا أولى مما قيل

من أنه معلوم من الفحوى؛ لأنه لو لم يكن لهم قدرة لم يستحقوا الوعيد، وأما الْقَوْل بأنه

مُسْتَفَاد من قوله: (ثم إليه ترجعون) فإن الرجع للمجازاة أو للسؤال من

توابع القدرة فتعسف .

قوله: (ومعنى(لَكُمْ) لأجلكم وانتفاعكم في دنياكم باستنفاعكم بها

في مصالح أبدانكم بوسط أو بغير وسط) اللام للتعليل والاستنفاع. وحاصله أن انتفاعكم

يترتب عَلَى خلق ما في الْأَرْض ترتب الغاية عَلَى ذي الغاية فاللام للعاقبة وتعرضه مع

ظهوره للإشَارَة إلَى عمومه إلَى كون ذلك الانتفاع بوسط أو بغير وسط دفعًا للإشكال كما

ستعرفه. قوله لانتفاعكم في الدُّنْيَا وفيه دلالة عَلَى ما ذكرنا من أن ترتب هذه النعمة عَلَى

الأولى بالْقيَاس إلَى الحياة الدُّنْيَا بوسط الخ. إشَارَة إلَى أن الانتفاع بنحو الحيات والعقارب

والسموم وغير ذلك من المضرات بواسطة فإن الحيات عذاء للظبي وهو غذاء للْإنْسَان

وتفتل بسمها الأعداء ويتخذ منها الترياق والعقارب وأشباهها غذاء للدجاج وهو غذاء

للْإنْسَان والسموم يدفع بها الأعداء من الْإنْسَان وغيره، والْمُرَاد بالانتفاع انتفاع نوع الْإنْسَان

لا كل فرد فرد منه فإن السم نافع لشخص حيث يتخلص به شر الأعداء مضر لشخص آخر

حيث يقتل به، وعلى هذا فقس فالعالم إذا تأملته مخلوق لأجل الْإنْسَان بما ملبس أولها

مدخل وإما مركب وإما مسكن وإما غذاء أكلًا أو شربًا أو لها مدخل في ذلك أو دواء له

ـــــــــــــــــــــــــــــ

* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *

قوله: معنى (لكم) لأجلكم لما كان لام التعليل في (لكم) مشعرا بكون

الخلق معللًا بعلة وفَائدَة وأفعال الله تَعَالَى ليست معللة بالأغراض. أول رحمه الله معنى التعليل به

لأن تنزيه أفعال الله تَعَالَى عن كونها معللة بالأغراض ليس عَلَى إطلاقه، بل الْمُرَاد أنها ليست معللة

بأغراض في فوائد راجعة إليه تَعَالَى حتى يلزم الاستكمال بالأغراض، بل هي محللة بحكم وفوائد

عائدة إلَى الْعبَادَة ولا استكمال له تَعَالَى فيها، فإن ذلك محض جود وإنعام لهم فإن فيضان الجود

من الجواد الكريم إلَى المحتاجين لأجل انتفاعهم لا يوجب استكمال الجواد الفياض له فإن ذلك

بمقتضى جوده وإحسانه. وفي الكَشَّاف (لكم) لأجلكم ولانتفاعكم به في دنياكم ودينكم. أما

الانتفاع الدُّنْيَاوي فظاهر. وأما الانتفاع الديني فالنظر فيه وما فيه من عجائب الصنع الدَّالَّة عَلَى الصانع

القادر الحكيم، وما فيه من التذكير بالْآخرَة وثوابها وعقابها لاشتمالها عَلَى أسباب الأنس واللذة من

فنون المطاعم والمشارب والفواكه والمناكح والمراكب والمناظر الحسنة البهية وعلى أسباب الوحشة

والمشقة من أنواع المكاره كالنيران والصواعق والسباع والأجناس والسموم والغموم والمخاوف، وقد

استدل بقوله: (خلق لكم) عَلَى أن الأشياء التي يصح أن ينفع بها ولم تجر مجرى

الخطورات في العقل خلقت في الأصل مباحة مُطْلَقًا لكل أحد أن يتناولها ويستنفع بها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت