بنفسه أو بالتركيب مع غيره ، وقد عرفت أن الْمُرَاد انتفاع نوع بي آدم فلا يضره كون بعض
الأشياء مضرا بالنظر إلَى شخص، بل بالنظر إلَى زمانين وينصره قولهم الشر الجزئي يتضمن
الخبر الكلي، وأما خلق إبليس فهو نافع أَيْضًا فإن الْإنْسَان بسَبَب مخالفته ينال السعادة
العظمى والدولة الكبرى، فأي نفع أعظم من ذلك، والشقي إنما يتضرر به باختياره الجزئي
وكذا الهوى ومخالفة الهوى، وكذا الْكَلَام في النفس الأمارة بالسوء؛ ولذا نقل عن حكماء
الْإسْلَام ليس في العالم شيء ضار بالإطلاق، وإنما الضار ضار باعْتبَار الْإضَافَة انتهى.
وتوضيحه ما ذكرنا ثم الْمُرَاد بما في الْأَرْض شامل للأرض نفسها وما هُوَ خارج عنها فهي
مخلوقة لانتفاعنا أَيْضًا بل العالم بأسره خلق لأجل الْإنْسَان، كما أشار إليه حكماء الْإسْلَام
حيث قال في العالم ولم يقل في الْأَرْض وفيه حثٌّ عَلَى الطاعات والزجر عن المنكرات
وتوبيخ جسيم لمن ارتكب السيئات .
قوله: (أو أمر دينكم بالاستدلال والاعتبار والتعرف لما يلائمها من لذات الْآخرَة وآلامها)
عطف عَلَى دنياكم بالاستدلال متعلق بالانتفاع المقدر في دينكم أي بالنظر فيه من عجائب
الصنع الدَّالَّة عَلَى وجود صانع واجب وجوده تام القدرة عالم بذاته وعلى وحدانيته. ووجه دلالة
هذه الأمور أنها أمور ممكنة وجد كل منها بوجه مَخْصُوص من وجوه محتملة فلا بد لها من
موجد قادر حكيم يوجدها عَلَى ما تستدعيه الْحكْمَة وتقتضيه مشيئته متعاليًا عن معارضة غيره
سيجيء تفصيل في تفسير قَوْلُه تَعَالَى:(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتلَاف اللَّيْل
وَالنَّهَار)الآية. والتعرف عطف تفسير للاعتبار بما يلائمها الخ. لأن اللذات
الحسية والْعَقْليَّة وكذا آلامها نموذج اللذات والآلام الْأُخْرَويَّة، ولذا أبيح للرجال من الحرير بقدر
يسير ونحوه من المباحات بالأمور الحسية للتعرف بذلك لذات الْأُخْرَويَّة حتى يستفرغ غاية
وسعه في تَحْصيل القربات بأنواع المشاق والصبر عَلَى الشهوات المؤدية إلَى وصول تلك
اللذات الباقيات ولو قدم هذه المنافع الدينية الْأُخْرَويَّة لكان له وجه وجيه أَيْضًا، وينكشف منه أنه
لو قال فيما سلف ويتم به معاشهم ومعادهم لكان أحسن انتظامًا .
قوله: (لا عَلَى وجه الغرض فإن الْفَاعل لغرض مستكمل به) عطف عَلَى قوله لأجلكم
الخ. ومفيد للقصر إما قلبًا أو إفرادًا يعني أن كون ما في الْأَرْض (لكم)
معناه لأجلكم فقط لا عَلَى وجه الغرض فإنه ليس بصحيح ظاهره فإن الْفَاعل مستكمل به
أي بالغرض ولولا ذلك الغرض لم يكن الْفَاعل فاعلا، ولذا قيل علة الغائية علة لفاعلية
الْفَاعل، وهذا يستلزم الاحتياج والنقصان المحالين عليه تَعَالَى، وَأَيْضًا إن من كان فاعلًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: لا عَلَى وجه الغرض قيد للخلق المحلل بـ (لكم) مرتبط بقوله ومعنى (لكم) لأجلكم أي
خلق لأجلكم لا عَلَى وجه الغرض بل خلقه عَلَى أن انتفاعهم لما خلق في الْأَرْض كان كالغرض
فاسْتعْمَال لام التعليل فيه عَلَى طريقة الاسْتعَارَة التبعية تنبيهًا لغير العلة بما هُوَ علة للفعل في
الترتب عليه، ويسمى مثل هذه اللام لام العاقبة كما في قوله (فَالْتَقَطَهُ آلُ فرْعَوْنَ ليَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) .