تعرف الْأَرْض فالْأَرْض حِينَئِذٍ منصوب بفعل مقدر لا منصوب بـ (دحاها) عَلَى شريطة التَّفْسير
فحِينَئِذٍ تكون (ثم) في هذه الآية للتراخي في الزمان ويرتفع المخالفة بين
الْآيَتَيْن لكنه خلاف الظاهر؛ إذ الظَّاهر كما عرفت كون الْأَرْض منصوبًا بـ (دحاها) وبعد ذلك
ظرف له وقد عرفت أن أهل التَّفْسير اتفقوا غير مقاتل عَلَى أن خلق الْأَرْض مقدم فلا بد من
مثل هذا التأويل، والرّوَايَة مقدمة عَلَى الدراية؛ ولهذا قال فيما مَرَّ ولعل لكونه تفسيرًا بالدراية
مؤيدة ببعض النصوص، لكن كثرة الروايات في تأخّر خلق السماء عن خلق الْأَرْض وما فيها
بالْمَعْنَى المحرر سابقًا يؤيد هذا التأويل فكون هذا خلاف الظَّاهر وإن سلم لكنه لا بد من
التزامه لكثرة الروايات في التأخّر.
قوله:(عدلهن وخلقهن مصونة من العوج والفطور. وهن ضمير السماء إن فسرت
بالأجرام)الأولى فعدلهن لئلا يوهم زيادة الفاء؛ إذ الفاء للسببية تفيد ترتب التسوية عَلَى إرادة
إيجادها لكن التسوية لما كانت متوقفة عَلَى خلق ذواتهن ودلت عليه اقتضاء قال وخلقهن
مصونة عن العوج والفطور إشَارَة إلَى المقتضى، ومعنى التسوية والعوج بفتح العين
وكسرها والفطور الشقوق، والْمُرَاد الخلل والفرجة. وفي قوله خلقهن مصونة الخ. إشَارَة
إلى أنه من قبيل ضيق فم البئر ووسع الدار؛ إذ خلقها كَذَلكَ يقتضي أنها لم تكن عدم تساوي
الأجزاء وفسر (فسواها) في سورة (والنازعات) بقوله فعدلها أولًا ثم
فسرها بقوله فجعلها مستوية. قيل في بيانهما فلعله أراد بتعديلها متعادلة الأجزاء أي متشابهة
الأجزاء من جميع الجهات والأوصاف في سلامتها عن العيوب(مَا تَرَى في خَلْق الرَّحْمَن
منْ تَفَاوُتٍ فَارْجع الْبَصَرَ هَلْ تَرَى منْ فُطُورٍ)وأراد بجعلها مستوية عدم
الاختلال والتفاوت بين أجزائها بأن يكون بعضها أقرب إلَى المركز بالنسبة إلَى البعض
الآخر بل يكون جميعها متساوية البعد بالنسبة إلَى المركز، فيكون ذلك إشَارَة إلَى كونها كرة
ولا ضير فيها مع إثبات حدوثها انتهى. واكتفى هنا بالتعديل وسكت عن الإشَارَة إلَى
كرويتها هنا، ولا يبعد أن يكون معناه مستوية الأجزاء بالْمَعْنَى الْمَذْكُور فيفهم الكروية، وذكر
هناك وجهًا آخر بقوله أو فتممها بما يتم له كمالها من الكواكب والتداوير وغيرها من قولهم
سوى فلان أمره إذا أصلحه ولعله تركه هنا لأن هذا الْمَعْنَى إنما يعتبر بعد خلقها ومما قبله
لم يفهم خلقها، بل القصد إلَى إيجادها بخلاف ما في سورة (والنازعات)
لكنه ضعيف؛ لأن الشأن في التعديل والتسوية كَذَلكَ، فلو قال فخلقهن بما يتم به كمالهن
بطَريق اقتضاء النص لكان أكثر فَائدَة وأتم نفعًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: وخلقهن مصونة من العوج. وفي الكَشَّاف ومعنى تسويتهن تعديل خلقهن وتقويمه
وإخلاؤه من العوج والفطور، أو إتمام خلقهن.