أي بيان لعلة الحكم السابق سواء كانت جملة تذييلية أو حالية، وهي الراجح الْمُخْتَار إذ
الْجُمْلَة الحالية ظاهرة في إفادة التعليل، والْمُرَاد بالعلة العلة الناقصة لا التامة؛ إذ القرينة عَلَى
أن الخلق من الْفَاعل الْمُخْتَار إنما يكون بالعلم والقدرة والإرادة قائمة كنارٍ عَلَى عَلَمٍ.
قوله:(كأنه قال: ولكونه عالمًا بكنه الأشياء كلها، خلق ما خلق عَلَى هذا النمط الأكمل
والوجه الأنفع)أشار باختيار عالمًا مع أن النظم عليم للإشَارَة إلَى أن صيغة المُبَالَغَة وغير
المُبَالَغَة سيان في شأنه تَعَالَى وتعديته بالباء لتقوية العمل، كَمَا صَرَّحَ به غير واحد في تعريف
العلوم أو لتضمينه معنى الإحاطة فأتى بصلتها فإن انتقال الصلة للتضمين. كذا قرره الفاضل
الجاربردي في أوائل شرح الشَّافعية، وإتيان الباء ليس بمختص بصيغَة المُبَالَغَة حتى يقال إن
أمثلة المُبَالَغَة لما خالفت أفعالها لأنها أشبهت أفعل التَّفْضيل لما فيها من الدلالة عَلَى الزّيَادَة
أعطيت حكمه في التعدية مع ما فيه من الخلل؛ لأن ذلك وإن سلم في غيره تَعَالَى لكنه لا
يصح أو لا يحسن في شأنه تَعَالَى لما عرفت، ومثاله من غير صيغة المُبَالَغَة قَوْلُه تَعَالَى:
(ألم يعلم بأن الله يرى) قوله عَلَى هذا الوجه الأكمل، وبهذا استدل علماؤنا
على شمول علمه تَعَالَى لجميع الأشياء جزئياتها وكلياتها؛ لأن الله تَعَالَى علم علمًا أزليًا بأن
العالم سيوجد عَلَى هذا النمط البديع، فأوجد عَلَى هذا الأسلوب الغريب، وتعلق هذا العلم
قديم غير متغير فبعد تقديره في علمه الأزلي يكون خلافه ممتنعًا بالغير، وإن كان ممكنًا
بالنظر إلَى ذاته، كما هُوَ المقرر في موضعه، فلا وجه لما قيل إن كلام المص يقتضي أن نظام
العالم هُوَ الأصلح الأكمل الذي لا يمكن شيء فوقه، فإن هذا كلام يساقط الإمساس لهذا
المقام ولا يناسب بوجه المرام. قوله الأنفع إشَارَة إلَى أنه تَعَالَى راعى الْحكْمَة فيما خلق
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
الْكَلَام السابق عَلَى ثبوتها فما الدال هنا عَلَى ذلك حتى جيئت هذه الْجُمْلَة لإزالة الاختلاج عنها. قلنا
الدال عليه قَوْلُه تَعَالَى: (ثُمَّ يُحْييكُمْ ثُمَّ إلَيْه تُرْجَعُونَ) وأَيْضًا في قوله: (فَأَحْيَاكُمْ)
دلالة عَلَى ذلك لما ذكر أن فيه تنبيهًا عَلَى ما يدل عَلَى صحتها، وهو الله تَعَالَى لما قدر
أن إحياءهم أولا قدر أن يحييهم ثانيًا فإن بدء الخلق ليس بأهون عليه من إعادته، ويدل عليه أَيْضًا لام
التعليل في (لكم) في قوله عز وجل (خلق لكم) لما ذكر أن معناه لأجل انتفاعكم
في مصالح دنياكم ودينكم بالاستدلال والتعرف لما يلائمها من لذات الْآخرَة وآلامها، ومعلوم أن لذات
الْآخرَة وآلامها المتعرفة لما في الدُّنْيَا يكون من جنس ما في الدُّنْيَا والآلام المتوقة إدراكها عَلَى
الآلات الجسماية، فإدراك لذات الْآخرَة وآلامها لا يمكن إلا بعد البعث والمعاد الجسماني.