الأذهان قد سبق ذكرها في هذه السُّورَة الكريمة دون بستان الْأَرْض، وإن ذكرت في موضع
آخر منه، وأما حمل اللام عَلَى الجنس بأحد أقسامه الثلاثة فلا صحة له هنا. نقل عن الْقُرْطُبيّ
أنه حكي عن بعض المشايخ أن أهل السنة مجمعون عَلَى أنها جنة الخلد التي أهبط آدم منها
عَلَيْهِ السَّلَامُ .
قوله: (ومن زعم أنها لم تخلق بعد) وهم المعتزلة بناء عَلَى أن الجنة عندهم غير
موجودة الآن. خلقه الله تَعَالَى امتحانًا أي معاملة الامتحان لآدم ولم يذكر حواء لما ذكر
والابتلاء بالتكاليف سنة الله تَعَالَى قديمة وأن إتمامها كما أمر غير واقع سلفًا وخلفًا وناهيك
قَوْلُه تَعَالَى: (كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) فالظَّاهر هُوَ السلب الكلي لا رفع
الإيجاب الكلي ولهذا قال الْمُصَنّف في تفسير تلك الآية؛ إذ لا يخلو أحد عن تقصير ما
وهذا من نتائج هذه القصة ومنها أَيْضًا أن العبد إذا تدارك عصيانه بالتَّوْبَة والندامة فليس ذلك
عيبًا لازمًا له .
قوله: (فقال إنه بستان) لأن الجنة تطلق عليه لغة كما عرفت في تفسير قَوْلُه تَعَالَى:
(أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْري) الآية. (كان بأرض فلسطين) بكسر الفاء وفتحها قرية
بالشام أو قرية بالعراق وقوله (أو بين فارس وكرمان) لعله إشَارَة إلَى الثاني(خلقه الله تَعَالَى
امتحانًا لآدم، وحمل الإهباط عَلَى الانتقال منه إلَى أرض الهند)الإهباط هُوَ النزول من العلو
على سبيل القهر بخلاف الْإنْزَال فإنه أعم كما في الرَّاغب، ولما كان في هذا الحمل نوع بعد
أيده بقوله (كما في قَوْله تَعَالَى:(اهْبطُوا مصْرًا) الآية. لكن في هذه الآية.
النزول من علو كما نبه عليه الْمُصَنّف هناك. وقيل ويجوز أن يكون ذلك البستان في موضع
مرتفع وهذا القدر غير كافٍ ما دام عدم ثبوت ارتفاع أرض الهند موجودًا، وفيه تكلف شاهد
على ضعفه. واختلفوا هل في الجنة تكليف؟ فذهب قوم إلَى أن لا تكليف أصلًا فيها، وذهب
آخرون إلَى أنها لا تكليف فيها بعد الحشر. وقيل فيها ذلك ويؤيد هذا الأخير ما في اللباب
من قوله: والصحيح أن ذلك الإسكان مشتمل عَلَى إباحة، وهي الانتفاع بجميع نعم الجنة
وعلى تكليف وهو النهي عن أكل الشجرة. وقيل وعلى هذا سترة عورة آدم واجبة، وكلام
الْمُصَنّف يومئ إليه حيث قال امتحانًا هنا ومُبَالَغَة في تحريمه ووجوب الاجتناب عنه فيما
سيأتي، ثم كونها دار تكليف بالنسبة إلَى الْمَلَائكَة يَنْبَغي أن لا يختلف فيه سواء كان بعد
الحشر أو قبله. أما الثاني فظاهر، وأما الأول فلقَوْله تَعَالَى:(عَلَيْهَا مَلَائكَةٌ غلَاظٌ شدَادٌ لَا
يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ)الآية. فلا تغفل، وكون الْمَلَائكَة مكلفين صرح به في
تفسير قوله تَعَالَى: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ منْ فَوْقهمْ) الآية.
قوله: ( [(وَكُلا منْها رَغَدًا) ] واسعًا رافهًا، صفة مصدر مَحْذُوف) أي أكلا رغدًا. وقيل حال بتأويل راغدين أو
بلا تأويل للمُبَالَغَة والرغد الهنى الذي لا عناء فيها. الرغد بفتح العين وسكونها، والرغيد
الواسع، ونقل عن الْجَوْهَريّ بالضم أَيْضًا. والمفهوم من كلامه أن الوسعة معتبرة في مفهوم
الرغد والتَّفْسير بالهنى الخ. يوهم خلافه .