قوله (أي مكان من الجنة شئتما) والتعميم بقرينة شئتما، وإلا فحيث للمكان المبهم
فلا حاجة إلَى ما قيل لاقتضائه ظَاهر الإبهام والمقام [وانتفاء] المانع وإفادة قيد [المشيئة]
العموم مما صرح به أئمة الأصول (وسع الأمر عليهما) بحَيْثُ أبيح لهما الأكل منها، ولم
يمنعا عن بعض المواضع الجامعة للمأكولات حتى لا يبقى لهما عذر في تناول ما منعا
عنه بقوله: (وَلَا تَقْرَبَا هَذه الشَّجَرَةَ) ولو لم يوسع لأمكن العذر في
التناول الْمَذْكُور وإن لم يفد. قيل ولم يجعله متعلقًا بـ اسكن مع أنه أظهر لوقوع الفاصل
وأَيْضًا توسيع الأكل يستلزم توسيع السكنى، كما يدل عليه قَوْلُه تَعَالَى:(فَكُلَا منْ حَيْثُ
شئْتُمَا)في مَوْضع آخر، فلا حاجة إلَى الْقَوْل بالتنازع وإن لم يكن قبيحًا
(إزاحة) أي إزالة (للعلة) أي العذر بأن يمحل في مأكول مَخْصُوص لما جبل عليه الْإنْسَان
من السآمة وانقطاع الرغبة في مأكول واحد [ومن] هنا قال بنو إسْرَائيل(لَنْ نَصْبرَ عَلَى طَعَامٍ
وَاحدٍ) (والعذر في التناول من الشجرة المنهي عنها من بين أشجارها الفائتة للحصر) أي
إنها قد سبقت الحصر فلم يدركها، كناية عن الكثرة القريبة من الغير المتناهي.
قوله: (فيه مبالغات) من وجوه: منها المنهي عنه الأكل منها فنهى عن الشجرة المأكولة
كما أن الحرمة في الميتة أكلها، وأسندت إلَى نفسها وكذا قَوْلُه تَعَالَى:(حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ
أُمَّهَاتُكُمْ)الآية. وللأئمة نزاع في أن الحرمة الْمُضَافة إلَى الأعيان هل هي
حَقيقَة أم مجاز، ومنها أن المعصية مع كونها مرتبة عَلَى الأكل رتب عَلَى القرب كالعصيان
المرتب عَلَى الزنا رتب عَلَى قربها، ومنها أن الظَّاهر أن يقال فتعصيا مثل قَوْلُه تَعَالَى:
(وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ) الآية. فعبر بالظلم الذي قيل في حقه الملك يبقى مع الكفر
ولا يبقى مع الظلم، كَمَا صَرَّحَ به في أواخر سورة هود. ومنها التَّعْبير بقوله (منَ الظَّالمينَ) فإنه
أبلغ من الْقَوْل فتكونا ظالمين، كما قَالُوا زيد من الْعَالَمينَ أبلغ من زيد عالم؛ لجعله غريقًا في
العلم أبًا عن جد، وكذا تكونا لدلالته عَلَى الدوام وإن كان الْمَعْنَى فتصيرا من الظَّالمينَ
فاتضح معنى الجمع في مبالغات (تعليق النهي بالقرب الذي هُوَ من مقدمات التناول) .
قوله: (مُبَالَغَة في تحريمه) أي القرب إشَارَة إلَى أن النهي للتحريم وإلى أن النهي عن
الشيء يستلزم الأمر بضده ولهذا قال (ووجوب الاجتناب عنه) القرب وسيجيء التَّنْبيه عَلَى
كونه للتنزيه، فحِينَئِذٍ يكون الاجتناب راجحًا لا واجبًا، والْمُخْتَار عنده ما ذكره هنا ويستفاد منه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: وسع الأمر عليهما [إزاحة] للعلة. وجه توسعة الأمر عليهما أنه بم يمنع عنهما بعض
الأكل ولا بعض المواضع الجامعة للمأكولات من الجنة حتى لا يبقى لهما عذر في التناول من
شجرة واحدة من بين أشجارها الفائتة للحصر. قال الرازي كما وسع الأمر [إزاحة] للعذر ضيق في
النهي حيث عين الشجرة كمال التعيين باسم الإشَارَة ونهى عن قربها مُبَالَغَة في الزجر عن الأكل
منها يعني لا تحوما حولها فضلًا عن أن تتناولا بالأكل، وجعل قربها سببًا للظلم حيث رتب قوله
(فَتَكُونَا منَ الظَّالمينَ) عليه بالفاء الدَّالَّة عَلَى التسبب.