قوله: (وفيه إشعار بأن استقباح اللبس لما يصحبه) أي في تَقْييده بالحال يعني أن الحال
حال مؤكدة أو دائمة ليست احترازًا عن غيرها، وفَائدَة التَّقْييد إشَارَة إلَى التعليل كأنه قيل: وقبح
واللبس لكونه متضمنًا لكتمان الحق ولولاه لما قبح لظهور الحق وتمييزه [عن] الباطل ومن هذا
ينكشف أن معنى (ولا تلبسوا) ولا تجعلوا الحق ملتبسًا راجح من الْمَعْنَى الحقيقي الذي قدمه
وإنما أورده الكَشَّاف من أن النهي عن الجمع بين اثنين إنما يتحقق إذا أمكن افتراقهما في الْجُمْلَة
ولبس الحق بالباطل مع كتمان الحق ليس كَذَلكَ لضرورة أن لبس الحق بالباطل كتمان له، وقد
دفعه الْمُصَنّف أَيْضًا بقوله والإخفاء عَلَى من لم يسمعه كما أن التلبيس عَلَى من سمعه وما ظهر
من التقرير إن حمل الحال عَلَى الاحتراز ممكن وأن النهي عن الجمع من حيث المجموع لا عن
كل واحد [إذ] الإخفاء إذا كان لمصلحة لا يقبح، كَمَا صَرَّحَ به البعض، ولبس الباطل بالحق إذا لم
يتضمن كتمان الحق وملتبسًا بغيره لا يقبح قبح اللبس الذي فيه (من كتمان الحق) وإن أبيت
عن هذا التقرير فعليك بالتحرير السابق .
قوله: (عالمين) أي وأنتم تَعْلَمُونَ حال مأول بالمفرد ومَفْعُولي تَعْلَمُونَ(بأنكم
لابسون كاتمون)حذف للإيجاز مع مراعاة الفواصل قوله (فإنه) أي الكتمان مع العلم(أقبح
منه)مع الجهل (إذ الجاهل قد يعذر) أي أن الجاهل يقبح ما صنعه قَليلًا مَا يعذر، وهذا فيما
لم يعلم كونه من الدين ضرورة، وأما إذا علم كونه من الدين ضرورة فالجهل ليس بعذر
بخلاف العالم فإنه لا يعذر أصلًا؛ ولذلك قال عَلَيْهِ السَّلَامُ:"للجاهل وقيل وللعالم سبعين ويلا".
ومقصوده بهذا الْكَلَام بيان إيراد أن لحال ليس لتَقْييد النهي به قيل الزّيَادَة تقبيح حالهم .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: عالمين بأنكم لابسون كاتمون. تفسيره بالحال المفردة إشعار بأن جملة(وأنتم
تَعْلَمُونَ)حال بالواو من ضمير الْفَاعل في لا تلبسوا (وتكتموا) ويختلف متعلق تَعْلَمُونَ باخْتلَاف
تفسير (لا تَلْبسُوا الْحَقَّ بالْباطل) والْمَعْنَى عَلَى التَّفْسير الأول وأنتم تَعْلَمُونَ أنكم تخلطون الحق
المنزل بالباطل الذي تخترعونه وتكمونه وعلى الثاني وأنتم تَعْلَمُونَ أنكم تجعلون الحق ملتبسًا
بالباطل بسَبَب خلط الباطل وجعله في خلاله .