لدلالة السياق عليه (فيصدكم) أي يمنعكم (عنه) بيان فَائدَة معرفة قبح صنيعكم والظَّاهر أن
الاسْتفْهَام للإنكار والتوبيخ. والحاصل أنه لإنكار النفي وتقرير المنفي كقَوْله تَعَالَى:(أليس
اللَّه بكاف عبده)فإن المخاطب هُوَ العالم، فالْمَعْنَى عدم تعقلكم ليس بثابت
فالتعقل واقع وكذا الْكَلَام في قوله (أو أفلا عقل لكم) يعني به أن تعقلون منزل منزلة اللازم
فلا يطلب له مَفْعُول (بمنعكم عَمَّا تَعْلَمُونَ وخامة عاقبته) بتلاوتكم التَّوْرَاة الناطقة وخامة
عاقبته أشار به إلَى أن قبح صنيعهم مُسْتَفَاد من الشرع يدرك بالعقل ولذلك ذكر العقل فلا
تمسك للمعتزلة في ذلك وخامة عاقبته أي سوء عاقبته ومضرته ، والفرق بين الوَجْهَيْن أن
العقل في الأول بمعنى الإدراك وفي الثاني الْقُوَّة التي تدرك بها والعقل وقد يشتق من
الجامد مثل استحجر، وَأَيْضًا في الأول الْمَفْعُول مقدر، وفي الثاني الْفعْل منزل منزلة اللازم
كما مر، ولا نفي قوة الإدراك ولا في الوَجْهَيْن ؛ إذ الاسْتفْهَام لإنكار النفي فيستلزم إثبات
الإدراك وقوته كما عرفت.
قوله: (والعقل في الأصل) أي في اللغة (الحبس سمي به الإدراك الْإنْسَاني) أراد به
الإدراك الكلي ؛ إذ الإدراك الجزئي وهو الإدراك الحسي غير مختص بالْإنْسَان (لأنه يحبسه) أي
في الأكثر والأغلب (عَمَّا يقبح) أو من شأنه أن يحبسه عنه، أَلَا [تَرَى] أن الإدراك لم يحبس
الأحبار الأشرار عن القبيح قال تَعَالَى: (أَفَرَأَيْتَ مَن اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى علْمٍ)
الآية. (ويعقله) أي يحرضه عَلَى (ما يحس) شرعًا مع مساعدة العقل (ثم الْقُوَّة)
أي ثم سمى به الْقُوَّة (التي بها النفس تدرك هذا الإدراك) أي الروح واختار كون العقل قوة من
قوى النفس وهي قوة غريزية يتبعها العلم بالضروريات عند سلامة الآلات وهذا مذهب
الْمُتَكَلّمينَ فالنقل في الأول من قبيل نقل المصدر إلَى قسم من أقسام فاعله ؛ إذ الإدراك ليس
نفس الحبس بل ما فام به الحبس وفي الثاني من قبيل نقل اسم المسبب إلَى السبب فإنه نقل
من العقل بمعنى الإدراك إليها لا بمعنى الحبس لبعد المناسبة ولذلك لم يعكس.
قوله: (والآية ناعية عَلَى من يعظ غيره ولا يتعظ بنفسه سوء صنيعه وخبث نفسه) أي
مخبرة مظهرة سوء صنيعه. مَفْعُول ناعية أصل النعي رفع الصوت بذكر الموت ونعى عليه
شهواته شهره بها. نقل عن الأزهري أنه قال فلان ينعي نفسه بالفواحش إذا اشهرها بتعاطيها
ونعى فلان عَلَى فلان أمرًا أظهر انتهى. وهذا الأخير هُوَ الْمُنَاسب هنا (وأن فعله فعل الجاهل
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
أمر الغير بالبر ونسيان النفس عنه فعل المجانين الَّذينَ لا عقل لهم، وأنهم في ذلك بمنزلة البهائم ؛ إذ
لو كان فيهم شيء لما فعلوا ذلك.
قوله: لأنه يحبسه عَمَّا بفتح أي لأن الإدراك يحبس الْإنْسَان عن أن يفعل القبائح ويمنعه
ويعقله. أي يعقده بالعقال المعنوي ويحبسه عَلَى ما يحسن من الأفعال والأقوال والنيات، ومن ذلك
سمي الإدراك التصديق بالاعتقاد الذي هُوَ من العقد لأن الْقُوَّة الداركة إذا عقلت شَيْئًا عقدته
وحبسته في خزانتها، ويجوز أن تكون تسمية تلك الْقُوَّة بالعقل لأجل عقلها أي عقدها وحبسها ما
أدركته في الحافظة .