والاجتناب عن السيئات وهو مراده بالتكميل؛ إذ تكميل الْقُوَّة النظرية متحقق، والْمُرَاد تكميل
الْقُوَّة العملية. قوله ليقوم أي الواعظ بنفسه ويستقيم استقامة كاملة، وذلك بمحافظة الحدود
والسعي الممدود فقيام الواعظ عبارة عن ذلك بطَريق الاسْتعَارَة من قام العود إذا زال
اعوجاجه، وكذا الْكَلَام في قوله فيقيم غيره فإن إقامة الغير مُسْتَعَار أَيْضًا من أقام العود إذا
زال اعوجاجه.
قوله:(لا منع الفاسق عن الوعظ فإن الإخلال بأحد الأمرين المأمور بهما لا يوجب
الإخلال بالآخر)وفيه دليل عَلَى ما ذكرناه سابقًا من أن الإنكار راجع إلَى النسيان فقط لا
إلى جمع الأمر بالمعروف والنسيان كما ذهب إليه بعض النَّاس حيث قال لا يجوز الأمر
بالمعروف لمن لا يعمل به. واستدل بهذه الآية. ورده الْمُصَنّف بما سمعته. وحاصله أن العمل
واجب والأمر بالمعروف واجب أَيْضًا لمن استجمع شرائطه وترك أحد الواجبين لا يوجب
ترك الواجب حسبما أمكن فعله، وهذا مطرد في الشرع القويم، وبهذه القرينة حمل المصنف
الإنكار عَلَى النسيان والتعرض للأمر بالمعروف في مقام الإنكار واللوم حيث الأمرين عَلَى
العمل لا المنع عن الآمر بالمعروف. قإن قيل إنه إذا كان الإنكار متوجهًا إلَى الْمَعْطُوف فقط
يختل قاعدة أن المنكر بالهمزة يجب أن يليها. قلنا قد صرح الأئمة بأن التقرير لا يجب أن
يكون الحكم الذي دخل عليه الهمزة بل يجوز أن يكون بما يعرف المخاطب من ذلك
الحكم كما في قَوْله تَعَالَى: (أَأَنْتَ قُلْتَ للنَّاس اتَّخذُوني وَأُمّيَ إلَهَيْن)
فإن الهمزة فيه للتقرير بما يعرف عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ من هذا الحكم لا بأنه قال ذلك كما
صرح به مَوْلَانَا خسرو هنا فإذا جاز ذلك بمعونة القرينة مع أن إيلاء المقرر به الهمزة شرط
في كونها للتقرير فما ظنك بجواز صرف الإنكار إلَى الْمَعْطُوف فقط حين قامت القرينة عَلَى
ذلك، وإلا فما الفرق بين التقرير والإنكار عَلَى أن الإيلاء الْمَذْكُور موجود هنا بواسطة
العطف وذكر الْمَعْطُوف عليه لفَائدَة ذكرها المص، وأما التزام أن المنكر هُوَ المجموع من
حيث المجموع لا بمعنى أن الأمر بالبر جزء من المنكر فإنه لا يساعد الشرع بل بمعنى أن
النسيان بشرط الأمر بالبر منكر أشد إنكار وأشنع من نسيان النفس بلا أمر بالمعروف
فمخالف لما حققه المص عَلَى أن فيه تسليمًا أن الإنكار متوجه إلَى الْمَعْطُوف فقط تأمل
والْقَوْل بأن الطاعة إذا أدت إلَى معصية راجحة وجب تركها فإن ما يؤدي إلَى الشر شر كما
صرح به المص في تفسير قَوْلُه تَعَالَى:(وَلَا تَسُبُّوا الَّذينَ يَدْعُونَ منْ دُون اللَّه فَيَسُبُّوا اللَّهَ
عَدْوًا بغَيْر علْمٍ)الآية. والأمر بالبر كَذَلكَ مع نسيان الأنفس فإنه يؤدي إلَى
مفسدة عظيمة بين النَّاس ضعيف؛ إذ الْكَلَام فيما إذا تحقق شروط الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر وما ذكر من قبيل الشر، كَمَا صَرَّحَ به المص مُسْتَثْنَى من هذه القاعدة بقرينة ألا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: فإن الإخلال بأحد الأمرين الخ. يعني أن الأمر بالمعروف والإتيان به كلاهما واجبان
وبترك أحد الواجبين لا يسقط الواجب الآخر.