فهرس الكتاب

الصفحة 1366 من 10841

أرواحهم (مرتاضة) أي متمرنة (بأمثالها) فإن تمرن عَلَى شيء خف عليه وكذا من عرف في

العمل فَائدَة راجحة عَلَى مشاقه سهل عليه. وأَشَارَ إلَى الأول بقوله لأن نفوسهم الخ. وإلى

الثاني بقوله (متوقعة في مقابلتها ما يستحقر) بوعده تَعَالَى إياه وعدا مؤكدًا، وهذا الوجه

الأخير وإن كان مطابقًا للواقع لكن لا يفهم من التَّعْبير بالْخَاشعينَ، وَأَيْضًا عند العارفين

المطلوب الرضوان فقط لا الثواب إلا أن يعم الْكَلَام نحو الرضاء، وأما الإشكال بأنه يلزم

من ذلك أن يكون ثواب غير الْخَاشعينَ أكثر من ثواب الْخَاشعينَ؛ لأن أفضل الْأَعْمَال

أحمزها أي أشقها. ضعيف. أما أولًا فلأن الْمُرَاد بالثقلة كراهة النفس حتى يؤدي إلَى تركها

فلا ينافي كونها شاقة في فعلها وأدائها، والْمُصَنّف أَشَارَ إلَى ذلك بقوله لأن نفوسهم مرتاضة

(لأجله مشاقها وتستلذ بسببه متاعبها) حيث أثبت المشقة والتعب للخَاشعينَ والمتوهم ذهل

عن ذلك، وأما ثانيًا فلأن الْعبَادَة بلا خُشُوع كلا عبادة فَكَيْفَ الأفضلية وبهذا البيان اندفع

الإشكال بأن هذين الْكَلَامين كالمتنافيين فإن المشقة والتعب في أدائها وفعلها بالجوارح

والاستلذاذ بالنفوس وقوله (ومن ثم قال عَلَيْهِ السَّلَامُ"وجعلت قرة عيني في الصلاة") يدل

على ما ذكرنا فإنه لما كانت صلاته موجبة لقربه إلَى الله تَعَالَى وانقطاعه بالكلية عمن سواه

كانت فرة عين له، وإن كان قدماه تتورم فيها، فانظر إلَى إتعاب البدن والجوارح مع سرور تام

ولذة كاملة وقرة العين كناية عن السرور والْحَديث بتمامه"حبب إليَّ من الدُّنْيَا الطيب والنساء"

وجعلت قرة عيني في الصلاة". أخرجه النَّسَائي في سننه ."

ـــــــــــــــــــــــــــــ

* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *

قوله: ولذلك فسر أي ولقراءة عبد الله فسر بازدياد يظنون بـ يتيقنون ولكن لا بد إذ ذاك من تقدير

الْجَزَاء لأنه هُوَ المتيقن بخلاف الثواب والرؤية التي هي أفضل نعيم فإنهما لعستا كَذَلكَ. وقوله: وأما من

لم يوقن بالْجَزَاء الخ. اعترض عليه لأنه يستلزم أن يكون ثوابهم أكثر من ثواب الخاشعين؛ لأن الأجر يزداد

بازدياد المشقة وهذا منكر من الْقَوْل. وأُجيب بأن الْمُرَاد أنها ثقلت عليه من حيث إنهم لا يعتقدون عَلَى

فعلها ثوابًا ولا عَلَى تركها عقابًا، فَكَيْفَ يكون أكثر ثوابًا بخلاف الْخَاشعينَ ثم هذا الاستثناء استثناء مفرغ

من الموجب فيحتاج إلَى تأويل وهو أنها لا تهون أو لا تخف عَلَى أحد إلا عَلَى الْخَاشعينَ .

قوله: يستخره. قال الْجَوْهَريُّ: تسخره كلفه عملًا بغير أجرة .

قوله: وانشماخ صدر. من شمخ الجبل أي ارتفع، والْمُرَاد من انشماخ الصدر ارتفاعه بسبب

الفرح والنشاط .

قوله: ومن ثم. أي ومن أجل أنها غير ثقيلة عَلَى الْخَاشعينَ أو من أجل أن نفوس الخاشعين

مرتاضة بما يماثل الصلاة من الْأَعْمَال الصالحة متوقعة في مقابلتها من الثواب ما يستحقر لأجله

مشاقها قال صلى الله تَعَالَى عليه وسلم:"وجعلت قرة عيني في الصلاة". روى النَّسائي عن أنس قال

قال رسول الله صلى الله تَعَالَى عليه وسلم:"حبب إليَّ الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة".

وروى أبو دَاوُود عن سالم بن الجعد قال: قال رجل من خزاعة ليتني صليت فاسترحت فكأنهم عابوا

عليه ذلك فقال سمعت رسول الله صلى الله تَعَالَى عليه وسلم يقول:"أقم الصلاة يا بلال وأرحنا بها".

أي أذن بالصلاة نسترح بأدائها من شغل القلب بها. وقيل كان اشتغاله بالصلاة راحة له فإنه عليه

الصلاة وَالسَّلَامُ كان يعد غيرها من الْأَعْمَال الدنيوية تعبًا، وكان يستريح بالصلاة لما فيها من مناجاة

الله تَعَالَى؛ ولهذا قال:"وقرة عيني في الصلاة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت