بأن يجردوه للعبادة) فالْمَعْنَى كما نقل عن الْقُرْطُبيّ في يوم السبت. وأشار إليه الْمُصَنّف بقوله
فاعتدى فيه أي في يوم السبت. وقيل وليس السبت اسمًا بمعنى اليوم ؛ إذ المقصود أنهم
اعتدوا في تعظيمه وهتكوا حرمته، لا ظرفية اليوم للاعتداء؛ لأن الاعتداء والتجاوز عَلَى ما
ذكر لم يقع في يوم السبت بل وقع في حكمه، وأنت خبير بأنهم لما حفروا [حياضًا] في
يوم السبت وكان حبس الحيتان في الحياض التي حفروها كان اعتداؤهم واقعًا في يوم
السبت ولهذا قال المص (واشتغلوا بالصيد) فأطلق الاشتغال بالصيد عَلَى حفرهم
الحياض وحبسهم الحوت فكيد، يقال إن الاعتداء لم يقع في يوم السبت وتكلف بعضهم
فقال. نعم من قال في آخر القصة إنهم فعلوا ذلك زمانًا فلم ينزل عليهم عقوبة
فاستبشروا وقَالُوا فداخل لنا العمل في السبت فاصطادوا فيه كما روي فيصح جعل يوم
السبت ظرفًا للاعتداء، وهذا مع ضعفه لا يكون شرحًا لكلام المص؛ لأنه صرح بأنهم
يصطادونها يوم الأحد فما وقع في يوم السبت الاشتغال بالصيد والاشتغال بالصيد
اعتداء وتجاوز في يوم السبت عَلَى أنه لما وقع الاعتداء في تعظيمه وهتك حرمته يكون
يوم السبت ظرفًا للاعتداء لأن ظرفية التعظيم للاعتداء مجاز ولا بد له من ظرفية حقيقية
له وهو يوم السبت فالْقَوْل بأن الاعتداء لم يقع عَلَى ما ذكر في يوم السبت بل وقع في
حكمه لا يعرف له وجه ؛ إذ الزمان من حيث إنه زمان لا يكون الاعتداء فيه إلا بهتك
حرمته وترك تعظيمه، ولا يتصور الاعتداء فيه بدون ملاحظة ذلك من جهة ذاته تَعَالَى قال
تَعَالَى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بالشَّهْر الْحَرَام وَالْحُرُمَاتُ قصَاصٌ) الآية.
قوله: (وأصله) أي معناه اللغوي (القطع) سواء كان قطعًا حسيًا كقطع الأشجار أو
معنويًا كقطع النفس وتجرده عن الشواغل الدنيوية لعبادة الله تَعَالَى سمي يوم السبت به لأن
الْيَهُود (أُمرُوا بأن يجردوه للعبادة) ويشعر بأن هذه التَّسْميَة وقعت في زمن مُوسَى عليه
السلام، ولا يخفى ضعفه. نقل عن أبي عبيدة أنه قال السبت آخر الأيام سمي سبتًا لأنه سبت
فيه خلق كل شيء وعمله أي قطع. قال ابن عطية والسبت إما مأخوذ من السبوت الذي هو
الراحة والدعة، وإما من السبت وهو القطع لأن الأشياء فيه سبت وتم خلقها، ومنه قولهم
سبت رأسه أي خلقه. وقيل في قول الْمُصَنّف والسبت مصدر سبتت الْيَهُود إذا عظمت يوم
السبت نظر فإن هذا اللَّفْظ موجود واشْتقَاقه مذكور في لسان العرب قبل فعل الْيَهُود ذلك
اللهم إلا أن يريد هذا السبت الخاص الْمَذْكُور في هذه الآية. والأصل فيه المصدر كما ذكر
ثم سمي به هذا اليوم من الأسبوع لاتفاق وقوعه فيه كما تقدم أن خلق الأشياء قد تم وقطع
فيه كذا في اللباب، ولا يخفى ما فيه فإنه كان في زمن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وتسمية العرب
بهذه الأسماء حادثة بعد عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ وأسماؤها قبيل ذلك غير هذا .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
في أمر آخر واقع في يوم السبت من صيد الحيتان ؛ إذ ليس فيه حد مشروع ليكون هُوَ مباحًا وما
وراء ذلك الحد حرامًا منهيًا عنه بل ذلك من أصله كان حرامًا لهم في ذلك اليوم وتعظيم يوم
السبت عبارة عن ترك العادات [والاشتغال] بالعبادات .