بقاء آثرها ينسب الذنوب إليهم باعْتبَار السببية. والحاصل أن الْمُرَاد بالذنوب المتأخّرة ذنوب
التسبب وهو ذنوبهم لا مباشرة الذنوب فإنها ذنوب غيرهم لا تنسب إليهم مثلًا سببية
اصطيادهم معصية لهم والعقوبة والمسخ لأجل تلك الْمَاضية ونفس الاصطياد ذنب غيرهم
ولم يقع المسخ لذلك الذنب فلا إشكال بأنهم كَيْفَ يؤاخذون بذنب غيرهم وقد قال الله
تَعَالَى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) ولما كان هذا الوجه غير ملائم لقوله
تَعَالَى: (وَمَوْعظَةً للْمُتَّقينَ) أخَّره ؛ إذ اللام في لِلْمُتَّقِينَ صلة الموعظة
فالأولى كون لام لما بين يديها صلة للنكال لا علة له .
قوله: (من قومهم) بناء عَلَى أن اللام في [لِلْمُتَّقِينَ] للعهد (أو لكل متق سمعها) فتكون
اللام فيه للاسْتغْرَاق شاملة لقومهم وغيرهم من الأمم الْمَاضية والآتية والقريبة والبعيدة
والحاضرة والغائبة فلو قال أو لمن رآها بعد قوله أو سمعها لكان أشمل وهذا الوجه الأخير
هو لتلاؤم لما قبله والمقصود من هذه القصة إظهار معجزة رسولنا صلى الله تَعَالَى عليه
وسلم لأنه خطاب لليهود الَّذينَ كانوا في زمانه عَلَيْهِ السَّلَامُ، فلما أخبرهم عن هذه القصة
كما هُوَ الواقع مع أنه لم يقرأ ولم يكتب ولم يخالط القوم دل ذلك عَلَى أنه إنما عرفه
بالوحي، وأَيْضًا فيه تهديد لهم بأنه ينزل بهم ما أنزل بآبائهم إذا تمردوا وتجاوزوا الحق فلا
يغتروا بالإمهال، والظَّاهر أنهم بعدما صاروا قردة كانوا فاهمين عالمين ما نزل بهم من تغير
الخلقة بسَبَب المعصية وكانوا في غاية من الخوف والخجل ولو أنهم بعدما صاروا قردة لم
يكُونُوا عالمين بما حل بهم لم يكُونُوا متألمين بكونهم قردة فلا يظهر كون المسخة عقوبة
والصحيح أنهم مكثوا ثلاثة أيام ثم هلكوا ولم يأكلوا ولم يشربوا ولم يبق لهم نسل. قال
الْقُرْطُبيّ وحديث الفار والضب فإنما قاله حدسًا لقوله لعله أي الضب من القرون التي
مسخت وهذا حدس وظن قيل أن يوحى إليه أن الممسوخ لا يعيش ولا ينسل، وما روى
البخاري عن عمرو بن ميمون أنه قال رأيت في الجاهلية قردة فزنت فرجموها فرجمتها
معهم لأن الْيَهُود غيرت الرحيم فأراد الله تَعَالَى أن يقيمه في منسوخهم حتى يكون أبلغ في
قيام الحجة عَلَى ما نكروه وغيروه حتى تشهد عليهم كتبهم وأحبارهم وممسوخهم، فأجيب
عنه بأن بعض الروايات لم يذكر فيها أنها زنت، وإنما ذكر الرجم فقط، وإنَّمَا أخرجه البخاري
دلالة عَلَى أن عمرو بن ميمون أدرك الجاهلية ولم يقال يظنه الذي ظنه في الجاهلية وذكر
ابن عبد البر أن عمرو بن ميمون كان من كبار التابعين من الكوفيين وهو الذي رأى الرجم
في الجاهلية من القردة كذا في اللباب المقصود مجرد بيان نوع من قبائحهم وهو
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: من قومهم أو لكل متق سمعها فاللام في لِلْمُتَّقِينَ عَلَى التقديرين للاسْتغْرَاق العرفي. .