الْفعْل فيفيد عموم النفي وقولهم سميت لا المذكرة للنفي يؤيد ما ذكرناه، وأما جعل النحرير
التفتازاني لا المذكرة للنفي مقابلة لـ لا المزيدة لكون لا مزيدة محضة لا تفيد معنى ما، وإنما
زيدت لتحسين اللَّفْظ أو لرعاية الوزن وغير ذلك من المحسنات اللفظية، وكونها مزيدة مفيدة
لمعنى ما يتم الْمَعْنَى الأصلي بدونه فلا إشكال أصلًا .
قوله: (والفعلان صفتا ذلول) ولما كان الأصل في الصّفَة مفردًا وأن ما وقع صفة من
الْجُمْلَة في تأويل المفرد قال (كأنه قيل لا ذلول مثيرة وساقية) وجه صيغة كأنه واضح كأن
فيه ردًا لما في الكواشي من أن تثير حال من بقرة؛ لأنها نكرة مَوْصُوفة بـ لا ذلول أو من
الضَّمير في ذلول. قيل ثم إن وصف ذلول بناء عَلَى ما ارتضاه بعض النحاة من أن الصّفَة
يجوز وصفها، كَمَا صَرَّحَ به السمين فلا يرد ما قيل إن ذلولًا من صيغة الصّفَة فيمتنع أن تقع
مَوْصُوفًا، وتثير من الإثارَة وهي قلب الْأَرْض للزراعة من أثرته إذا هيجته، والحرث الْأَرْض
المهيأة للزرع أو الْمُرَاد نفس الزرع. قال الْقُرْطُبيّ: قال الحسن كانت تلك البقرة وحشية ولهذا
وصفها الله تَعَالَى بأنها لا تثير الخ. ولم يلتفت إليه الشيخان كما سيجيء، ثم لا مفهوم لهذه
الصّفَة ؛ إذ ذل البقرة إنما هُوَ بأحد هذين الأمرين أو بمجموعهما لا غير، فحاصل الْمَعْنَى أنها
بقرة لا ذلول أصلًا ؛ إذ الركوب ليس من شأنها، وحمل الأثقال مُسْتَفَاد نفيه بطَريق الدلالة أو
الإشَارَة فتأمل .
قوله: (وَقُرئَ لا ذلولَ بالفتح) في الكَشَّاف وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي التابعي لا
ذلول بمعنى لا ذلول هناك، وإليه أشار الْمُصَنّف بقوله (أي حيث هي) عَلَى أن لا للتبرئة
والخبر مَحْذُوف [تقديره] لا ذلول ثمة كما في اللباب. أي لا ذلول في مكان من الأمكنة. وقيل
لا ذلولَ بالفتح عَلَى أن لا لنفي الجنس والخبر مَحْذُوف والْجُمْلَة صفة ذلول. أي جملة تثير
صفته لا حال ولا خبر، ويكون الْكَلَام كناية عن نفي الذل عنه كما أن قولك الذلول من
حيث هُوَ كناية عن إثباته له. الذُّل بالضم ضد العز، وبالكسر ضد الصعوبة والذليل من الأول
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: كأنه قيل لا ذلول مثيرة وساقية. والأوفق أن يقول ولا ساقية .
قوله: أي حَيْثُ هي أي لا ذلول في مكان وجدت هي فيه، فيكون نفيًا لذل تلك البقرة عَلَى
طريق الكناية فإنه لو كانت مَوْصُوفة بالذل لكانت الذلول موجودة حَيْثُ وجدت تلك البقرة لكن لا
ذلول هناك فلا توصف البقرة بالذل فنفي اللازم لينتفي الملزوم عَلَى الكناية كما يقال في الْإثْبَات
مجلس فلان مظنة الجود والكرم، وهو كناية عن ثبوت الجود والكرم له؛ لأنه إذا ثبت الجود في فلان
يكون موضعه مَوْضع الجود فأثبت اللازم إثباتا للملزوم .