قوله: (والدلالة عَلَى اشتداد القسوتين واشتمال المفضل عَلَى زيادة) وجه الدلالة هو
أن أشد قسوة يدل عَلَى الزّيَادَة بالمادة والهيئة وأقسى يدل عليها بالهيئة فقط، ولا ريب في
دلالة الأول عَلَى المُبَالَغَة ولإفادة ذلك عدل عن أقسى مع أنه الأصل لأن التوصل إلَى
التَّفْضيل بأشد في المزيدات وفي العيوب الظَّاهرَة والقسوة ليست منها وإن كانت من
العيوب الباطنة فالقسوة مما يصاغ منه أفعل فلا جرم أن الْمُرَاد بأشد ليس التوصل بل
التَّفْضيل في الشدة وهكذا في كل مَوْضع يكون فيه اشْتقَاق أفعل منه ويتوصل بأشد فيه مثل
فلان أشد علمًا وغير ذلك، والْقَوْل بأنه إنما يتم لو كان أشد محمولًا عَلَى القسوة ولكنه
محمول عَلَى الْقُلُوب مدفوع بأنه محمول عَلَى القسوة بحسب المآل لكونها تمييزًا. والْمَعْنَى
أو أشد قسوتها كالحديد فإن الحديد والحجارة إذا خليتا وطبعهما لا ريب في أشدية الحديد
أَلَا [تَرَى] أنه يكسر بالحديد دون العكس، ولا يقدح في ذلك كون الحديد يلين بالنَّار دون
الحجارة؛ لأنه خاصة أخرى والْكَلَام في الصلابة الشدة، وأَيْضًا الحديد لعدم قبوله الانفعالات
الْمَذْكُورة بقوله وإن من الحجارة كأن الحجارة دون الحديد في الصلابة والشدة، وأما قصة
دَاوُود عَلَيْهِ السَّلَامُ من أن الْحَديث صار كالعجين له بإذن الله تَعَالَى فمعجزة لا مساس لها
بالبحث عن مقتضى الطبائع .
قوله: (واشتمال المفضل) عَلَى زيادة اشتداد القسوة لا في نفس القسوة لقوله والدلالة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
ما أورده صاحب التقريب من أن في قوله اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قوة نظرا لأن أشد
لو كان محمولًا عَلَى القسوة أفاد هذا ولكنه محمول عَلَى الْقُلُوب فيفيد أن قلوبهم أشد قسوة لا أن
قسوتها أشد قسوة، فإن أراد أنهما اشتركا في شدة القسوة وهي أشد في الشدة فلا يفيد هذا اللفظ
لأن معناه أن قسوتها أشد؛ لأن شدة قسوتها أشد قسوة، وإنَّمَا كان يفيده لو قال فهي أُزيد شدة قسوة.
أقول لعله أراد بوجه الدفاع نظر صاحب التقريب عَلَى التقرير الْمَذْكُور العدول عن لفظ أقسى إلَى
لفظ أشد قسوة مع إمكان بناء أفعل التَّفْضيل من فعل القسوة ؛ إذ لو أريد الزيادة في معنى القسوة
لكفى أن يقال أو أقسى منها، ولما عدل عنه إلَى لفظ أشد من غير ضرورة في أخذ بناء أفعل من
فعل القسوة علم أن أشد هَاهُنَا ليس للتوصل بل هُوَ مقصود بالذات إما لقوة دلالته عَلَى زيادة قسوة
المفضل أو لكون الْمُرَاد بيان الزّيَادَة في معنى الشدة في القسوة وهذا إنما يكون إذا اشتركت
الْقُلُوب والحجارة في شدة القسوة، وأقول لا يندفع نظر صاحب التقريب بما ذكره الطيبي ؛ إذ يكفي
في نكتة العدول عن لفظ أقسى إلَى لفظ أشد من غير ضرورة في كون لفظ أشد مقصودًا بالذات
الوجه الأول من الوَجْهَيْن الْمَذْكُورَين، وأما الوجه الثاني فنظر صاحب التقريب وارد عليه بحسب
الظَّاهر، والحق في اندفاع النظر أن يقال إن أشد هَاهُنَا وإن كان من حَيْثُ الظَّاهر محمولًا عَلَى
الْقُلُوب لكنه في الْحَقيقَة محمول عَلَى القسوة؛ لأن قسوة تمييز والتمييز فاعل في الْمَعْنَى فإن معنى
قولك طاب زيد نفسًا طاب نفس زيد، فقولنا قلوبهم أشد قسوة في معنى قسوة قلوبهم أشد .