العقلاء التأثر بالأمر التكليفي لكونه بالاختيار وفي الجمادات التأثر بإرادة الله تَعَالَى فلما
انتفى التأثر المقدور في الْقُلُوب وتحقق التأثر اللائق بالجمادات فيها كانت الْقُلُوب زائدة في
القساوة عليها .
قوله: (والتفجر التفتح بسعة وكثرة) والكثرة والسعة مُسْتَفَادَتَان من صيغة التفعل
مع مدخلية المادة فيها؛ ولذا لم يذكر في التشقق مثل ذلك، والْمُرَاد بالأنهار الماء الكثير
الذي يجري فهو إما عَلَى حذف الْمُضَاف أو الْمَجَاز الْمُرْسَل بذكر المحل وإرادة الحال
أو الإسناد المجازي وقد مرَّ التَّفْصيل فيه في قَوْله تَعَالَى:(جنات تجري من تحتها
الأنهار)فتفجر الأنهار كجريانه في عدم كونه حَقيقَة، ولما كانت الحجارة
جمعًا جعل الأنهار جمعًا أَيْضًا .
قوله: (والخشية مجاز عن الانقياد) بذكر السبب وإرادة المسبب أو بطَريق إطلاق
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: والخشية مجاز عن الانقياد، فالْمَعْنَى وإن منها لما يهبط من انقياده لأمر الله، وفي
الكَشَّاف والخشية مجاز عن انقيادها لأمر الله وأنها لا تمتنع عَلَى ما يريد فيها وقلوب هَؤُلَاء لا
تنقاد ولا تفعل ما أمرت به إلَى هنا كلامه يعني أثبت للحجارة الخشية عَلَى طريق الْمَجَاز لفائدتين
إحداهما التصريح بالمُبَالَغَة في كونها منقادة لأمر الله، وثانيهما التعريض بأن قلوب هَؤُلَاء لا تنقاد
هكذا قَالُوا. أقول: إفادة معنى التعريض لا يحتاج إلَى ارْتكَاب التَّجَوُّز في الخشية المعبر بها عن
الانقياد بل لو قيل وإن من الحجارة ما ينقاد لأمر الله تَعَالَى حصل معنى التعريض بأن قلوبهم لا
تنقاد لأمر الله تَعَالَى. وجه التَّجَوُّز أن الخشية ملزومة للانقياد فأطلقت وأُريد الانقياد مَجَازًا مرسلًا
إطلاقًا لاسم الملزوم عَلَى اللازم، ويجوز أن يكون مَجَازًا مُسْتَعَارًا حَيْثُ شبهت حال الحجر في
انقياده لأمر الله تَعَالَى وتأثره بقدرة الله تَعَالَى بحال العاقل [الخاشع] في إطاعته وامتثاله للأوامر الإلهية
ثن اسْتُعيرَت الخشية له فهي اسْتعَارَة تمثيلية وعلى هذا التوجيه يؤول قَوْلُه تَعَالَى:(تُسَبّحُ لَهُ
السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فيهنَّ وَإنْ منْ شَيْءٍ إلَّا يُسَبّحُ بحَمْده)([وَللَّه يَسْجُدُ مَا في السَّمَاوَات وَمَا في
الْأَرْض]) ومنهم من منع انتفاء الحياة والعقل في الحجر لجواز خلق الله تَعَالَى ايا كما فيه كما في
قَوْلُه تَعَالَى (وَقَالُوا لجُلُودهمْ لمَ شَهدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ)
فكما جاز إنطاق الجلد جاز جعل الحجر حيًّا خاشعًا ، وروي أنه حن الجذع لقعود رسول الله
صلى الله تَعَالَى عليه وسلم عَلَى المنبر وأنه لما أتاه الوحي في أول المبعث فانصرف إلَى منزله
سلمت عليه الأحجار وكلها كانت تقول السلام عليك يا رسول الله فغير ممتنع أن يخلق في بعض
الأحجار عقل وفهم حتى تحصل الخشية فيه، لكن المعتزلة أنكروا هذا التأويل لما عندهم من أن
البنية واعتدال المزاج شرط لقبول الحياة والعقل، ولعل اقتصار الزَّمَخْشَريّ في توجيه الخشية عَلَى
الْمَجَاز بناء عَلَى مذهبه فإن مذهبهم أن الجماد لا يصدر منه حَقيقَة الخشية لأنها صفة الحي والحياة
لا تتصور فيه عندهم لفقد شرطها ثم مبني كلام الكَشَّاف عَلَى أن الأمر لا ينفك عن الإرادة عَلَى ما