بفهم الْمَعْنَى واللطائف وأنواع المزايا والمعارف لما عرفت من أن معنى الخلو عن معرفة
الْمَعْنَى في التمني بمعنى القراءة بمعونة المقام لا لأنه معتبر في مفهومه فلا إشكال بأن الْمُرَاد
بالقارئ هنا الإمام أمير الْمُؤْمنينَ عثمان - رضي الله تَعَالَى عنه - جامع الْقُرْآن فَكَيْفَ تعتري قراءته
عن فهم الْمَعْنَى فالغرض من هذا البيت لمجرد بيان مجيء التمني بمعنى القراءة وفهم الْمَعْنَى
والخلو عنه موكول إلَى القرينة. قوله: تمني دَاوُود الزبور عَلَى رسل لبيان أن قراءة الإمام جامع
الْقُرْآن عَلَى رسل وتأن مع ملاحظة ما فيه من المواعظ والصبر عَلَى المشاق وإعداد الله تَعَالَى
لمن كان كَذَلكَ من عباده المخلصين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت وبهذا تسلى رضي الله
تَعَالَى عنه عَلَى ما نزل عليه من خروج الخوارج وهمهم عَلَى سوء القصد بحَيْثُ لا يرجي
النجاة، ولعل لهذا اشتغل بقراءة الْقُرْآن في ذلك الآن حتى روي أنهم فعلوا ما فعلوه حين
قراءته - رضي الله تَعَالَى عنه - قوله: (فَسَيَكْفيكَهُمُ اللَّهُ) الآية. نفعنا الله تَعَالَى
بشفاعته وجمع بيننا في دار كرامته، ومن هذا البيان اتضح لك أن رواية ليله بضمير الغائب
الراجع إليه - رضي الله تَعَالَى عنه - أولى من رواية ليلة بناء التأنيث للوحدة؛ لأن الْمُرَاد بيان قراءته
في ليلة معهودة وقع فيه ما وقع فيها كما أوضحنا وجهه آنفًا، فأُضيف الليل إليه للملابسة
ورواية ابن الأنباري أنشد تمامه وآخره:
لاقى حمام المقادر
ولم يرو آخرها بتاء التأنيث فعلم أن الرّوَايَة ليله بالضَّمير دون تاء التأنيث .
قوله: (وهو لا يناسب وصفهم بأنهم أميون) وإنما قال لا يناسب ولم يصح الخ. لما
عرفت من أن الجمع بَيْنَهُمَا من أن وصفهم بالأميين لكونهم قارئين بلا فهم، الْمَعْنَى فقراءتهم
كلا قراءة فيصح النفي والْإثْبَات معًا بالاعتبارين، لكن الْمُنَاسب نفي القراءة رأسًا لكونه أبلغ فى
الذم والمفهوم من الكَشَّاف أن الأمي من لا يحسن الكتب والقراءة وهو لا ينافي أن يكتب
ويقرأ في الْجُمْلَة، وأما عَلَى ما اختاره الْمُصَنّف من أنه لا يكتب ولا يقرأ فمعناه أنه لا يقرأ من
الْكتَاب ولا يعلم الخط، وأما عَلَى سبيل الأخذ من الغير فكثيرًا ما يقرءون من غيره فهم
الْمَعَاني ولا تصور الحروف وهذا مآل ما قدمناه في التوجيه وأن حاصل كلام الشَّيْخَيْن واحد.
اعلم أن ما روي أن النَّبيّ علمه إسلام كتب يوم صلح الحديبية مؤول بأنه أمر بالْكِتَابَة فإسناد
كتب إليه مجاز وأن عدم كتابته عَلَيْهِ السَّلَامُ متفق عليه، فلا يقال بأن الأمي ربما يقدر عَلَى
كتابة، كما روي عن النَّبيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ في الصحيحين أنه كتب كذا مع أنه أمي .
قوله: (ما هم إلا قوم) أشار به إلَى أن إن نافية والاستثناء مفرغ والْمُسْتَثْنَى مَحْذُوف
و (يظنون) قائم مقامه، وفي المطول واعلم أنه قد تقع بعد إلا في الاستثناء المفرغ الْجُمْلَة
وهي إما خبر مبتدأ نحو ما زيد إلا يقوم أو صفة نحو ما جاءني منهم رجل إلا يقوم ويقعد
أو حال نحو ما جاءني زيد إلا يضحك فقَوْلُه تَعَالَى: (إن هم إلا يظنون)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: ما هم إلا قوم يظنون لا علم لهم. حاصل من برهان قاطع أرشدك إليه .