قوله: (وعلى الثاني) أي عَلَى اعتبار المُبَالَغَة في الكَيْف (قيل) في المَأْثُور أَيْضًا(يا
رحمن الدُّنْيَا والْآخرَة)من قبيل مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ أي يا رحمن في الدُّنْيَا والْآخرَة(ورحيم
الدُّنْيَا لأن النعم الْأُخْرَويَّة كلها جسام)قوية فخام جليلة لأنه لَيسَ في الجنة من أطعمة الدُّنْيَا
إلا الاسم كما قاله ابْن عَبَّاسٍ - رضي الله تَعَالَى عنهما -. وبالْجُمْلَة. نعم الْآخرَة مغايرة لنعم الدُّنْيَا
ذاتًا متحدة اسمًا فيما اتحد ولا يرد عليه ما يرد عَلَى الاعتبار الأول، ولعل لهذا اكتفى به
صاحب الكَشَّاف ولم يتعرض للأول لما فيه من الاعتساف، ولا يخفى عليك أن في هذا
الاعتبار يتحقق الاعتبار الأول أيضًا؛ إذ المرحومون في الدُّنْيَا والْآخرَة أكثر من
المرحومين في الدُّنْيَا؛ إذ الْمُرَاد من الرحمن كما عرفت النعم الجليلة والرحيم النعم الحقيرة
في الدُّنْيَا لكن لا يضر فيما نحن بصدده من أنه وارد بالاعتبار الثاني . فإن قيل من أين ظهر
وروده بالاعتبار الثاني؟ قلنا فإنه لو أخذ بالاعتبار الأول فحِينَئِذٍ لا مساغ لتَقْييد المرحومين
بالنعم الجليلة فيعم جميع المرحومين ليكون ذكر رحيم بعده حشوا لا طائل تحته قوله
(وأما النعم الدنيوية فجليلة وحقيرة) فإذا أضيف الرحمن إلَى الدُّنْيَا يراد به النعم الجليلة
قوله: وحقيرة فإذا أضيف الرحيم إلَى الدُّنْيَا يراد به النعم الحقيرة كما أشرنا إليه ولو أريد
بالرحمن والرحيم حين إضَافَتهما إلَى الدُّنْيَا مطلق النعم لاختل الْمَعْنَى ولم تحسن المقابلة
في المبنى، وأما ما روي يا رحمن الدُّنْيَا والْآخرَة ورحيمهما بل الرّوَايَة المَأْثُورة منحصرة فيه
كما أوضحنا في الهامش فيجوز أن يراد في الأول جلائل النعم دقيقة أو جليلة وفي الثاني
دقائقها حقيرة أو جليلة فيهما عموم وخصوص من وجه فتصح المقابلة وتدفع المناقشة.
قوله: (وإنما قدم) أي الرحمن في الذكر(والْقيَاس يقتضي الترقي من الأدنى إلَى
الأعلى)أي مع أن الْقيَاس والقاعدة في نظائره مما جمع وصفين فيه أحدهما أبلغ فالْقيَاس
في مثله بمعنى القاعدة الشائعة في المحاورات أو اللائق المستحسن فما وجه العدول عن
ذلك الْقيَاس (لتقدم رحمة الدُّنْيَا) . وحاصله أنه لكون نظم الْكَلَام عَلَى وفق الترتيب في
الوجود؛ إذ وجود رحمة الدُّنْيَا كما أو كيفا مقدم عَلَى رحمة الْآخرَة فالرحمن الذي يدل عَلَى