قوله (ورسخ في قلوبهم صورته لفرط شغفهم به) يجوز أن يكون هذا إشارة إلَى
وجه آخر وهو أن يكون العجل مَجَازًا عن صورته فلا يحتاج إلَى حذف الْمُضَاف فالواو
الواصلة بمعنى أو الفاصلة وأن يكون إشَارَة إلَى حاصل الْمَعْنَى؛ إذ صورة المحبوب راسخة
في قلوب المحبين فهو توضيح للوجه الأول، وهو الظَّاهر الموافق للإيراد بكلمة الواو(كما
يتداخل الصّبْغ)بكسر الصاد وسكون الباء (الثوب) لمزيد التوضيح وإلا فالاكتفاء بقوله
(والشراب أعماق البدن) مما يقتضيه المقام (وفي قُلُوبهمْ بيان) لما كان مقتضى الظَّاهر
وأشرب قلوبهم العجل أسند إليهم الْفعْل إبهامًا (لمكان الإشراب) ثم بين بقوله(في
قلوبهم)لكونه أوقع في الذهن وللمُبَالَغَة فيه (كقَوْله تَعَالَى(إنَّمَا يَأْكُلُونَ في
بُطُونهمْ نَارًا)حيث لا يسند الأكل إلَى البطن بل جعل مكانًا له، لكن هَاهُنَا
يصح إسناده إلَى الْقُلُوب كما عرفت، بل الظَّاهر ذلك عدل عنه للمُبَالَغَة وأسند إلَى الكل
ليدل عَلَى التمكن والاستقرار مثل تمكن الْمَظْرُوف في الظَّرْف، وأن العجل نفسه هو
المشرب مُبَالَغَة في إشراب الحب؛ إذ إسناد الْفعْل إلَى الذات التي ليست لائقة بإسناد الْفعْل
إليها يشعر بالمُبَالَغَة في حصول الْفعْل القائم بها، ومن هذا القبيل قَوْلُه تَعَالَى:(إنَّمَا حَرَّمَ
عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ)الآية.
قوله:(بسَبَب كفرهم وذلك لأنهم كانوا مجسمة أو حلولية ولم يروا جسمًا أعجب
منه)أي بسَبَب كفرهم السابق عَلَى ذلك الإشراب وعبادة العجل التي هي المرادة من
إشراب العجل، وهو كونهم مجسمة أي اعتقادهم أنه تَعَالَى جسم كالأجسام، أو أنه تَعَالَى
يحل في جسم (فلما) لم يروا جسمًا أعجب منه (تمكن في قُلُوبهمْ ما سول لهم السامري)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
وقوله في قُلُوبهمْ بيان لمكان الإشراب ذكر دفعًا لوهم من يتوهم أن قوله في قُلُوبهمْ مستغنى عنه
لأن تقدير الحب لا بد منه، ومن البيّن أن محله القلب فلا حاجة إلَى ذكره وتقرير الدفع أنه لما أسند
الإشراب إلَى الْجُمْلَة حيث قيل: وأشربوا احتيج إلَى بيان محله منها كما أن الأكل في الآية الأخرى
(كَذَلكَ قال بعضهم) هُوَ نظير قَوْلُه تَعَالَى: (رَبّ اشْرَحْ لي صَدْري) فكما أن صدري بيان
لقوله لي؛ لأنه أفاد أن شَيْئًا ما عنده محتاج إلَى الشرح فبين بقوله صدري ذلك المبهم كَذَلكَ.
قوله: وأشربوا مبهم لا يعلم منه أي مكان من أمكنة جسدهم تداخل الحب فيه فبين أن
المكان هُوَ قلوبهم، وذكر بعضهم أن الاحتياج إلَى البيان في هذه الآية أشد منه في آية الأكل لصلوح
اتصاف القلب بالإشراب كما إذا قيل أشرب قلوبهم حب العجل بخلاف الأكل حيث لا يجوز أن
يقال إنما تأكل بطونهم، ولأن الحب غير مذكور في اللَّفْظ، وفي ذكر المحل تنبيه عليه والعدول عن
إظهار لفظ الحب وتعليق الإشراب بنفس العجل لما فيه من الفخامة والإبهام والتَّفْسير من وجه
المُبَالَغَة في الإسناد إلَى الكل والدلالة عَلَى تمكن الحب المُسْتَفَاد من الظرفية وأن العجل هو
المشروب مُبَالَغَة في إشراب الحب وأنهم لفرط شغفهم ارتسمت صورة العجل في قُلُوبهمْ.
قوله: فتمكن في قُلُوبهمْ ما سوله لهم السامري. معنى التمكن مُسْتَفَاد من الظرفية التي أفادها
لفظ في.