الظَّاهر التَّخْصِيص. قال بعض الأفاضل: . فإن قيل عدم نقل تمنيهم الموت إلَى الآن لا يدل
على عدم تمنيهم أبدًا؟ قلنا الخطاب مع المعاصرين وقد انقرضوا، وهذا يدل عَلَى
التَّخْصِيص، وأَيْضًا قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ:"لو تمنوا الموت"الخ. يشير إلَى التَّخْصِيص ثم ما روي
عن ابْن عَبَّاسٍ - رضي الله تَعَالَى عنه - مرفوعًا أو موقوفًا كما عرفَه لفظه غير ما نقله المص
ولعله نقله بالْمَعْنَى.
قوله: (لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه) كناية عن الموت؛ لأن الغصة وقوف
الطعام في الحلق [بحيث لا يجري] ويقال غص بالطعام إذا لم يجر في حلْقه، ومعنى قوله
(وما بقي عَلَى وجه الْأَرْض يهودي) أي في عصر النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لكن هذا لو تمنوا كلهم
أو بعضهم ففيه تردد؛ لأنه في صورة تمني الكل ظاهر، وأما في صورة تمني البعض دون
بعض فغير واضح، فالظَّاهر أن الْكَلَام في تمني الكل وحال تمني البعض يعرف بالمقايسة
ولا يبعد أن يقال لو تمنى بعضهم لهلك كلهم بشؤم تمني بعضهم، وأما الإشكال بأنهم لو
تمنوه فوقع متمناهم لزم انقطاع عمرهم. قبل حلول الأجل الذي قدر لهم، فمدفوع بأن الْمُرَاد
أن الله تَعَالَى علم منهم أنهم لا يتمنون الموت، ولو علم أنهم يتمنونه يجعل أجلهم في وقت
تمنيهم في الابتداء لا أنه جعل أجلهم في وقت معلوم إذا لم يتمنوا وفي وقت التمني إذا
يتمنونه؛ لأن هذا صنع من هُوَ جاهل بالعواقب. هذا في شرح التأويلات كما قيل.
قوله: (تهديد لهم) أي الْمُرَاد من هذه الْجُمْلَة التهديد كناية وإلا فلا فَائدَة تامة في
إخبار ذلك. قوله (وتنبيه عَلَى أنهم ظالمون) لأن الحكم بالمشتق يفيد علية مأخذ الاشْتقَاق
والْمُرَاد (بدعوى ما ليس لهم) هُوَ دعوى أن الجنة لا يدخلها إلا الْيَهُود (ونفيه) الضَّمير
راجع إلَى ما و (عمن) هُوَ عبارة عن الْمُسْلمينَ أو جميع الموحدين وضمير (هُوَ) راجع إلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: لغص كل إنسان بريقه. أي لامتلأ بريقه فمات من ساعته.
قوله: تهديد لهم وتنبيه عَلَى أنهم ظالمون، فاللام في الظَّالمينَ للعهد والمعهود هم الْيَهُود
الْمَذْكُورون القائلون (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلا من كان هودًا) فالظَّالمينَ مظهر موضوع مَوْضع الظلم لنكتة
التهديد والتسجيل عليهم بالظلم حِينَئِذٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بدعوى ما ليس لهم من الدار الْآخرَة ونفيه
عن مستحقيه.