بمقتضاه مع أن علمهم (به) في نفس الأمر ( [رصين] ) أي محكم متقن فعيل من الرصانة
وأما التَّوْرَاة فوجه رصانة علمهم بها فظاهر، وأما الْقُرْآن فوجه رصانة علمهم به فلأنهم
[يَعْرفُونَهُ كَمَا يَعْرفُونَ أَبْنَاءَهُمْ] لما رأوا في كتابهم نعته ودارسوه حتى صار علمهم به مستحكمًا(ولكن
يتجاهلون)أي يظهرون الجهل به (عناد) هذا في الْقُرْآن ظاهرًا، وفي التَّوْرَاة تجاهلهم بها
لتجاهلهم بما يصدق بها. قيل استفيد رصانة علمهم من وضع (الَّذينَ أوتوا الْكتَابَ) موضع
الَّذينَ عرفوه حق معرفته .
قوله: (واعلم أنه تَعَالَى دل بالْآيَتَيْن) أي آية (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا) الآية.(ولما
جاءهم)الآية. (عَلَى أن جل الْيَهُود) أي معظمهم (أربع فرق) ثلاث فرق
معلومة من صريح الْقُرْآن، ومن هذا قال الرَّاغب: ثلاث فرق وفرقة أخرى لم تذكر في الآية.
صريحًا بل فهمت من قوله (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمنُونَ) واعتبرها المص فقال:
أربع فرق فلا منافاة بينه وبين ما قاله الراغب، لكن دلالة قَوْلُه تَعَالَى(بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا
يُؤْمنُونَ)عَلَى أن الأقل منهم آمنوا واضحة، ومثل هذا يعد مما علم بصريح
الْقُرْآن. فقول المص أربع فرق رد عَلَى الرَّاغب كما جنح إليه بعض المحققين ؛ إذ فيه
الأكثر لإخراج الأقل عن حكمهم فعدم عند الأقل من الفرق لعدم ذكرها صريحا مما لا
يلتفت إليه سيما أنهم أشرف الفرق، وبالغ في الرد عليه، وقدم فرقة الْمُؤْمنينَ فقال (فرقة آمنوا
بالتَّوْرَاة وقاموا بحقوقها كمؤمني أهل الْكتَاب، وهم الأقلون المدلول عليهم بقوله(بل
اكثرهم لا يُؤْمنُونَ)وهم عبد الله بن سلام وأضرابه لكن هذا بناء عَلَى أن
الْيَهُودية غير منسوخة بالْإنْجيل، والراجح كونها منسوخة فالْمُرَاد بهم من آمن بالتَّوْرَاة قبل
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: واعلم أنه تَعَالَى دل بالْآيَتَيْن عَلَى أن جل الْيَهُود أربع فرق. أراد بالآيتين قَوْلُه تَعَالَى
(أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا) إلَى قَوْله (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمنُونَ) وقوله عز وجل:(ولما
جاءهم)إلَى قَوْله (كأنهم لا يَعْلَمُونَ) والفرق الثلاثة الأول من هذه
الأربع مدلول عليهم بالآية الأولى من هاتين الْآيَتَيْن، والفرقة الأولى من هذه الفرق الثلاثة الأول
وهم الْمُؤْمنُونَ منهم مدلول عليهم بلفظ التَّفْضيل. أعني بلفظ أكثر فإنه دل عَلَى أن منهم من يؤمن
لكنه قليل، والفرقة الثانية وهم المجاهدون بنبذ العهود مدلول عليهم بقوله (نبذه فريق منهم)
والفرقة الثالثة وهم الجاهلون بها والمدلول عليهم بقوله (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمنُونَ)
حَيْثُ نفي التصديق عن أكثرهم وانتفاء التصديق جهل، والفرفة الرابعة وهم العالمون
بها المتجاهلون مدلول عليهم بالآية الثانية ومعنى تجاهلهم مُسْتَفَاد من قوله عز وجل:(كأنهم لا
يَعْلَمُونَ)فالحكم عَلَى كل فرقة بما يخصهم مع أن الضمائر كلها إلَى جنس الْيَهُود
مُطْلَقًا إنما هُوَ عَلَى التقسيم أو من باب إسناد الكل إلَى البعض .