قوله: (وما روي أنهما مثلا بشرين وركب فيهما الشهوة فتعرضا لامراة يقال لها زهرة)
اسْتئْنَاف نشأ مما قبله حيث أشعر طيب الله ثراه أنهما ملكان مأموران بتعليم السحر وأنهما
معصومان فسأل سائل فماذا جوابكم عن هذه الرّوَايَة؟ فأجاب بأنه محكي عن الْيَهُود لا يعبأ
به قطعًا تفصيله عَلَى ما نقله أرباب الحواشي أن الْمَلَائكَة لما رأوا في زمن إدريس عليه
السلام ما يصعد إلَى السماء من الْأَعْمَال الخبيثة لبني آدم وذنوبهم الكثيرة عيَّروهم بذلك
وقَالُوا هَؤُلَاء الَّذينَ جعلتهم خَليفَة في الْأَرْض يعصونك فقال تَعَالَى: لو أنزلتكم إلَى
الْأَرْض وركبت فيكم ما ركبت فيهم ارتكبتم ما ارتكبوه، فقَالُوا سبحانك ما يَنْبَغي لنا أن
نعصيك، فقال تَعَالَى: (اختاروا من خياركم أنزله إلَى الْأَرْض فاختاروا هاروت وماروت
لكونهما من أعبدهم وأصلحهم فركب الله تَعَالَى فيهما الشهوة كما ركبها فيهم وأهبطهما إلَى
الْأَرْض وأمرهما أن يحكما بين النَّاس بالحق ونهاهما عن الشرك والقتل بِغَيْرِ حَقٍّ والزنى
وشرب الخمر والتزما ذلك وكانا يقضيان بين النَّاس يومهما فإذا أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم
فصعدا إلَى السماء فاختصمت إليهما يومًا امرأة من أجمل النساء يقال لها زهرة وكانت من
أهل فارس ملكة في بلدها فلما رأياها أخذت بقلوبهما فراوداها عن نفسها فأبت وانصرفت
ثم عادت في اليوم الثاني ففعلا مثل ذلك فأبت وقالت لا إلا أن تعبدا ما أعبد تعني الصنم
وتشربا الخمر فقالا لا سبيل إلَى هذه الأشياء فإنه تَعَالَى قد نهانا عنها، فانصرفت وعادت في
اليوم الثالث ومعها قدح من خمر (فحملتهما عَلَى المعاصي والشرك) فعرضت عليهما ما
قالت الأمس فقالا الصلاة لغير الله تَعَالَى عظيمة وقتل النفس عظيم وأهون الثلاثة شرب
الخمر فشربا وسكرا وزنيا فلما فرغا رأيا إنسانًا عندهما فقتلاه وسجدا للصنم فقالت لهما
لن تدركاني حتى تخبراني بالذي تصعدان به إلَى السماء قالا باسم اللَّه تَعَالَى الأعظم قالت
فما أنتما بمدركاني حتى تعلمانيه، فقال أحدهما لصاحبه علمها فقال إني أخاف الله تَعَالَى
فقال الآخر فأين رحمة الله تَعَالَى فعلماها فدعت به(ثم صعدت إلَى السماء بما تعلمت
منهما)وصعدت إلَى السماء فمسخها الله تَعَالَى كوكبًا وهما قد هَمَّا بالصعود إلَى السماء فلم
تطعهما أجنحتهما فعلما ما حل بهما فقصدا إلَى إدريس عَلَيْهِ السَّلَامُ وأخبراه بأمرهما
وسألاه أن يشفع لهما إلَى الله تَعَالَى ففعل إدريس عَلَيْهِ السَّلَامُ ذلك فخيرهما اللَّه تَعَالَى بين
عذاب الدُّنْيَا وعذاب الْآخرَة فاختار الأول؛ لأنه منقطع عن قريب فهما يعذبان ببابل، فرده
الْمُصَنّف بقوله (فمحكي عن الْيَهُود) فإنه معه شاهد عَلَى كذبه. أما أولًا فلأن الزهرة
مخلوقة عند خلق السَّمَاوَات، وأما ثانيًا فلأنه لا تعرض في هذه الرّوَايَة لكونهما منزلين
للسحر، وإنَّمَا أنزلا للحكم بين النَّاس، وهو خلاف ما فهم من النظم الجليل، وأما ثالثًا فلأن
هذه الرّوَايَة ناطقة بأنهما خرجا عن صفة الملكية بسَبَب تركيب الشهوة فيهما، وقد قال
تَعَالَى: (وما أنزل عَلَى الملكين) والْقَوْل بأنه مجاز باعْتبَار ما كان ضعيف
وأما رابعًا فلأن قول الْمَلَائكَة (فقَالُوا سبحانك) الخ. بعد قَوْلُه تَعَالَى لهم ولو ركبت فيكم