نافعًا. قال الْمُصَنّف في سورة الشعراء في تفسير قَوْلُه تَعَالَى: (فَأُلْقيَ السَّحَرَةُ سَاجدينَ)
لعلمهم بأن مثله لا يتأتى بالسحر، وفيه دليل عَلَى أن منتهى السحر تمويه
وتزويق يخيل شَيْئًا لا حَقيقَة له وأن التبحر في كل فن نافع(وإنما المنع من اتباعه والعمل
به)قيل وجه الدلالة أن قوله فلا تكفر لما أفاد كون السحر كفرًا وجب التحرز عنه ولا
يكمل التحرز عنه قبل العلم به؛ ولهذا بين الفقهاء في كتبهم ألفاظ الكفر انتهى. وهذا غريب
لأن عمل السحر إنما يكون بالتبحر في علم السحر فمن لم يعلم ذلك العلم لا يحتمل
وقوعه في تلك الورطة، فالاحتراز عنه بدون العلم أكمل منه مع العلم وقياسه عَلَى ألفاظ
الكفر عجيب جدًا لأنها كثيرة الوقوع في الألسنة والمحاورات، فأين الثرى من الثريا، وما نقله
عن الرَّاغب من قوله. قال الرَّاغب: قد ثبت أن الْحكْمَة معرفة الصدق والكذب في الأقوال
والخير والشر في الأفعال وتجنب الكذب والشر فمعرفة الكذب والشر إذًا واجبة كوجوب
معرفة الصدق والخير بل لا تتم معرفة أحدهما إلا بالآخر فتعريفهما واجب، وإنما المستقبح
تعاطي الكذب والقبيح، وإذا كان كَذَلكَ فلا ضمير أن يبعث الله تَعَالَى من قبَله في وقت يكثر
الاستغواء بالسحر من يبينه عَلَى وجه احتياله، فيزول عن النَّاس الشُّبه فغير مؤيد لما ذكره من
قوله: ولا يكمل الاحتراز عن السحر قبل العلم به؛ إذ أفاد أن تعلمه جائز في وقت تمس
الحاجة إليه وعلم السحر معرفة كونه شرًا تكفي في الاحتراز عنه. قيل فيه نظر؛ إذ هُوَ خلاف
قول الفقهاء فإنهم لم يجوزوا تعليم السحر وتعلمه انتهى، ولك أن تقول: ماذا يقول الفقهاء
في توجيه قَوْلُه تَعَالَى (وَمَا يُعَلّمَان منْ أَحَدٍ) الآية. المنبئة عن جواز تعليم
السحر وتعلمه؛ إذ التعيم الحقيقي لا ينفك عن التعلم، فلا جرم في التوفيق بين ما قاله
الفقهاء وبين الجواز المُسْتَفَاد من هذه الآية الكريمة بما ذكرناه من أن معرفة الشر لا للشر
بل لتوقيه جائزة، ولقصد التوسل إلَى وصول الحق جائز أَيْضًا كسحرة فرعون فإنهم آمنوا
لكونهم عارفين بالسحر وأن ما أتى به مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ليس بسحر، وأما غيرهم من
الجاهلين بالسحر فلم يؤمنوا لعدم تمييزهم بين السحر والمعجزة، فأي فَائدَة أعظم من هذا؟
وقد نقلنا عن الْمُصَنّف أن التبحر في كل فن نافع، وأما مراد الفقهاء فحين خلوهم عن مثل
هذه الفَائدَة الجليلة أو عن النية الصحيحة النافعة فحِينَئِذٍ لا ريب في حرمته، وقد نقلنا عن
الروضة الخلاف في حرمة تعليم السحر وتعلمه، ولعل منشأ الخلاف ما ذكرناه ويؤيد ما
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
ذكره ويستفاد منه بطريق المفهوم أن تعلم ما لا يجوز اتباعه غير محظور ما لم يعمل بموجه. نقل
الطيبي عن صاحب الروضة أنه قال: وراءه العلوم الشرعية أشياء تسمى علومًا منها محرم ومكروه
ومباح، فالمحرم كالفلسفة والشغبذة والتنجيم والرمل وعلوم الطبيعيين وكذا السحر عَلَى الصحيح
وتتفاوت درجات تحريمه والمكروه كأشعار المولدين المشتملة عَلَى الهزل والبطالة والمباح
كأشعارهم التي ليس فيها سخف ولا ما ينشط إلَى الشر ويثبط عن الخير. قَالَ الشيخ الإمام
التوريشي في وصية أوصى بها بعض من أخذ منه. أوصية أن يسد سمعه من أباطيل الفلاسفة فضلًا
عئ الإصغاء والتعلم منها فإنها لم تزل مشؤومة عَلَى أهلها ولو مزجت كلمة منها بالبحر لمزجته ثم
إنها لا تثمر إلا الهوان في الدُّنْيَا والخزي في الْآخرَة نعوذ باللَّه من ذلك.