ذكرنا ما قاله صاحب الكَشَّاف إنه كما لا يحرم تعلم علم الفلاسفة المنصوب للذب عن
الدين برد الشبهة، وإن كان أغلب أحواله التحريم، كَذَلكَ تعليم السحر وتعلمه إنْ فُرض
[[فسادهما] ] في طرف، وأريد تبيين فساده لهم ورجوعهم إلَى الحق، وهذا لا ينافي إطلاقهم الْقَوْل
بالتحريم، ومن قال بوجوب تعليمه وتعلمه كالإمام الرازي كما نقله بعضهم عنه إذا مست
الحاجة إليه بحَيْثُ لا يدفع المحظور إلا به كدفع المسحورية عن نفسه أو عن نفس مسلم
آخر أو لتمييزه بين الحق والباطل، وما نقله بعضهم عن علي - رضي الله تَعَالَى عنه - من أنهما
كانا يعلمان تعليم إنذار لا تعليم دعاء، كأنهما يقولان لا نفعل كذا وكذا. والصحيح من
مذهب أصحابنا أن تعلمه حرام مُطْلَقًا فحجة عليه لا عَلَى الْمُصَنّف، فإن قول علي رضي الله
تَعَالَى عنه يقتضي أن يكون تعليم الإنذار مباحًا بل واجبًا؛ لأنهما أرسلهما لتعليم الإنذار
وتعلمه غيرهما منهما، وأمره تَعَالَى بذلك يتبادر منه الوجوب، ولئن منع فلا أقل من الإباحة.
قوله: (وعلى الثاني) أي عَلَى تقدير كون الْمُرَاد بهما رجلين صالحين فحِينَئِذٍ يكون
معنى قولهما فلا تكن مثلنا لا تكن مثلنا في تعليم السحر لأنا مبتلون بالسحر وتعليمه
لحكمة دعت إليه مع التجنب عن عمله فلا تكفر بعمله(ما يعلمانه حتى يقولا إنا
مفتونان)وهذا مقتضى الصَّلَاح لكن أكثر أرباب الحواشي ذهبوا إلَى أن الْمُرَاد بالثاني كون
ما نافية فحِينَئِذٍ يكون الْمُرَاد بالأول كون (مَا) موصولة سواء أريد بهما ملكان أو رجلان
صالحان وأنهم نظروا إلَى قَوْله (فلا تكن مثلنا) فإن الظَّاهر فلا تكن مثلنا، فإن الظَّاهر فلا
تكن مثلنا في الكفر فلا جرم حِينَئِذٍ أن الْمُرَاد بهما الشَّيَاطين، وقد عرفت استقامة الْمَعْنَى
على تقدير كون الْمُرَاد رجلين صالحين، وفي تفسير أبي السعود، وأما ما قيل من أن ما في
قَوْلُه تَعَالَى: (وما أنزل) الخ. نافية والْجُمْلَة مَعْطُوفة عَلَى قَوْلُه تَعَالَى(وما كفر
سليمان)جيء بها لتَكْذيب الْيَهُود في القصة أي لم ينزل عَلَى الملكين
إباحة السحر، وأن هاروت وماروت بدل من الشياطين عَلَى أنهما قبيلتان من الجن خصتا
بالذكر لأصالتهما، وكون باقي الشَّيَاطين أَتباعًا لهما، وأن الْمَعْنَى ما يعلمان أحدًا حتى يقولا
إنما نحن فتتة فلا تكفر، فتكون مثلنا فيأباه أن مقام وصف الشَّيَاطين بالكفر وإضلال النَّاس
مما لا يلائمه وصف رؤسائهم بما ذكر من النهي عن الكفر، مع ما فيه من الإخلال بنظام
الْكَلَام فإن الإبدال في حكم تنحية المبدل منه انتهى. والمخلص عن ذلك الإشكال حمل
الثاني عَلَى ما ذكرناه من أن الْمُرَاد به رجلان صالحان، ولم يلتفت إلَى احتمال كون (ما) نافية
لكمال ضعفه كما هُوَ عادته حيث ذكر الْوُجُوه أولًا ثم سكت في توضيح الْمَعْنَى عن بعضها.
تنبيهًا عَلَى سخافته وعدم ملائمته للمقام، وأما الْقَوْل في دفع اعتراض مَوْلَانَا أبي السعود بأنه