صيغة الْمُضَارِع في جانب الشرط مع كان لقصد اسْتمْرَار الْفعْل فيما مضى وقتًا فوقتًا، والنفي
المُسْتَفَاد من [لولا] لنفي الدوام بل لدوام النفي بملاحظة النفي أولا ثم الاسْتمْرَار ثانيًا ولو
عكس الملاحظة لعكس الأمر وهو خلاف المقصود.
قوله: (العقل الغريزي) وهو القدرة عَلَى التَحْصيل والتمكن من الاستدلال، وهذا
الْمُرَاد من قَوْلُه تَعَالَى (وَلَقَدْ عَلمُوا) والمنفي بلو التفكر فيه، والْإثْبَات
والنفي ليسا بواردين عَلَى محل واحد فلا منافاة بَيْنَهُمَا، فعلم أن هذا مقابل لقوله
يتفكرون فيه.
قوله: (أو العلم الإجمالي) أي المثبت لهم العلم بالْجُمْلَة، والمنفي عنهم هُوَ العلم
التَّفْصيلي فإنهم علموا إجمالًا أن شري النفس بالسحر مذموم، لكن لم يعلموا أن ما يَفْعَلُونَه
من جملة ذلك القبيح ويزعمون أن ما فعلوه حسن؛ ولذا ورد حبك الشيء يعمي ويصم، وهذا
كثير بين الغافلين حِينَئِذٍ علموا قبح الشيء كالغيبة والتكبر والرياء، ثم فعلوا ذلك وإذا نبهوا
عليه أنكروا وقَالُوا ما فعلناه وقلناه ليس بغيبة ولا كبر ولا رياء وغير ذلك [فأثبت] لهم علم
إجمالي دون التَّفْصيلي، وكذا الحال في الْيَهُود الباغين وهذا مقابل لقوله أو يَعْلَمُونَ قبحه
على اليقين.
قوله: (أو ترتب العقاب) أي المثبت لهم العلم بترتب العقاب (من غير تحقيق)
متعلق بالعلم الإجمالي، والمنفي عنهم العلم بحَقيقَة ما يتبعه من العذاب، وهذا مقابل لقوله
أو حَقيقَة ما يتبعه من العذاب، فكلامه مسوق عَلَى نمط اللف والنشر المرتب، فلا إشكال بأنه
كَيْفَ أثبت لهم العلم أولًا ثم نفاه عنهم.
قوله: (وقيل معناه لو كانوا يَعْمَلُونَ بعلمهم، فإن من لم يعمل بما علم كمن لم يعلم)
جواب آخر عن الإشكال الْمَذْكُور، وهذا مبني عَلَى أن العلم في مَوْضع الْإثْبَات واحد لكن
المنفي هُوَ العمل بمقتضى العلم فلا منافاة، والأجوبة الثلاثة الْمَذْكُورة أولًا التي اختارها
المص العلم فيها غير متحد في الْإثْبَات والنفي كما عرفت، ولم يرض به مع أنه مختار
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
العلم الإجمالي لا ينافي سلب تحقيق العلم التَّفْصيلي اليقيني فلا يتوارد النفي والْإثْبَات عَلَى محل
واحد. وقيل في دفع التناقض: أن لهم عقدين بيع الْكتَاب الإلهي بكتاب السحر وبيع أنفسهم بكتاب
السحر، والعلم بحسب العقد الأول، والجهل بحسب العقد الثاني. أقول: مآل هذين العقدين إلَى أصل
واحد فحِينَئِذٍ لا مدفع إلا بالرجوع إلَى ما قرر أولًا.
قوله: وقيل لو كانوا يَعْمَلُونَ بعلمهم. هذا توجيه صاحب الكَشَّاف في دفع التناقض حَيْثُ قال
فإن قلت: كَيْفَ أثبت لهم العلم أولًا في قوله (وَلَقَدْ عَلمُوا) عَلَى سبيل التوكيد القسمي ثم نفاه عنهم
في قوله ( [لَوْ] كَانُوا يَعْلَمُونَ) قلت معناه لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ بعلمهم جعلهم حين لم يعملوا به كأنهم
منسلخون عنه، وتقرير الْجَوَاب أنه نفي العلم، والْمُرَاد به نفي العمل عَلَى ما ذكره من معنى الانسلاخ.
لكن اخْتيرَ نفي العلم لفظًا مُبَالَغَة؛ لأن العمل بالعلم يستلزم العمل ألبتة، فنفي العلم نفي العمل به
بطَريق برهاني، فهو من باب الكناية.