وإنَّمَا اختاره لأن أصل السماع متحقق فيهم فلا فَائدَة في الأمر فَائدَة معتدًا بها أو الأمر بمجرد
السماع بدون اعتبار حسن الاستماع غير مفيد. قوله (حتى لا تفتقروا) فيه إشَارَة إلَى أن
مَفْعُول اسمعوا قول الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ، وفيه بيان نوع قصورهم بأنهم لم يسمعوا قوله عليه
السلام بأُذنٍ واعية حتى يحتاجوا (إلَى طلب المراعاة) بكلمة تسبب بها الْيَهُود طعن الرَّسُول
على وجه [التلبيس] وقدم هذا الاحتمال لأنه يناسب ما قبله أشد مناسبة لكن قَوْلُه تَعَالَى:
(وقولوا انظرنا) لكونه أمرًا بطلب الانتظار لا يلائمه هذا الْمَعْنَى .
قوله: (أو واسمعوا سماع قبول لا كسماع الْيَهُود) أي أو الْمُرَاد بـ اسمعوا اقبلوا قوله
سماع قبول فهو إلَى حَقيقَة لأن السمع يجيء بمعنى القبول كقوله سمع الله لمن حمده أو
مجاز ؛ إذ السمع سبب للقبول، فعلى هذا يكون تعريضًا لليهود ؛ إذ القبول متحقق في الْمُسْلمينَ
وللإشَارَة إلَى ذلك قال لا كسماع الْيَهُود .
قوله: (أو واسمعوا ما أمرتم به) أي مَفْعُول اسمعوا ما أمرتم به(بجد حتى لا تعودوا إلَى
ما نهيتهم عنه)أي بعزيمة ونشاط وهو أن يقولوا انظرنا وعدم قولهم راعنا، والْمُرَاد بما أمرتم عام
للنهي والأمر ؛ إذ النهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده، ويؤيده قول بعض الْمُفَسّرينَ أو اسمعوا ما
كلفتموه من النهي والأمر، وبهذه الْوُجُوه الثلاثة يندفع الإشكالان: الأول أنه لا يوجد فَائدَة في
الأمر بنفس السماع الحاصل عند سلامة الحاسة المنتفي عند اختلالها، والثاني هُوَ أن السماع
ضروري عند تحقق شرطه فلأي فَائدَة أُمرُوا به، وللثاني جواب آخر وهو أن الأمر باعْتبَار مقدماته
كما في سائر الأمر الغير الاختياري كالأمر بالتصديق .
قوله: (يعني الَّذينَ تهاونوا بالرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ وسبوه) فاللام في الْكَافرينَ للعهد
لكونهم معه معهودين بهذه الجناية الشنيعة عندهم أو للجنس وقد أريد به الفرد الكامل وهو
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: يعني الَّذينَ تهاونوا الخ. حمل التعريف في للكافرين عَلَى العهد والمعهود هُوَ الكفرة
الَّذينَ سبوا الرَّسُول صلى الله تَعَالَى عليه وسلم ولفظ الْكَافرينَ مظهر موضوع مَوْضع المضمر
تسجيلا عَلَى كفرهم وتعليلًا للحوق العذاب المؤلم بهم، وإشعارًا بأن ذلك كان تهاونًا برسول الله
صلى الله تَعَالَى عليه وسلم، والتهاون به غلو في الكفر يستحق به العذاب البالغ في الإيلام. قال
بعض الأفاضل: فيه كلام حاصله أنه لا يجوز أن تكون اللام في للكافرين للجنس ويدخل فيه الْيَهُود
دخولًا أوليًّا كما تقدم في قَوْله تَعَالَى: (فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافرينَ) لأن الْكَلَام هناك
كان مع الْكُفَّار فصلح قوله (فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافرينَ) تذييلًا ويدخل فيه الْيَهُود وغيرهم، وأما هَاهُنَا
فالْكَلَام مع الْمُؤْمنينَ فلا يصلح قوله: (وللكافرين عذاب أليم) أن يكون تذييلا
وإذا جعل التعريف للعهد اختص بالْيَهُود بقرينة السياق وكان ذلك مع تقديمه عَلَى المبتدأ تعريضًا
بالْمُؤْمنين أنهم ليسوا من ذلك في شيء. أقول: معنى التعريض المُسْتَفَاد هنا من تقديم المعمول
صالحا لأن تقع هذه الْجُمْلَة تذييلًا ويدرجها في جملة بجعله الْكَلَام المسبوق لأجل الْمُؤْمنينَ