فهرس الكتاب

الصفحة 1712 من 10841

والْمُصَنّف اكتفى بالجواز مع أن الظَّاهر دلالة الآية عَلَى الوقوع بقرينة سبب النزول، ولو

سلم عدم دلالته عَلَى الوقوع، فدليل وقوع النسخ قَوْلُه تَعَالَى: (وَإذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ)

أي بالنسخ فجعلنا الآية النَّاسخة مكان المنسوخة لفظًا أو حكمًا، والآيات

الدَّالَّة عَلَى نسخ حكم مَخْصُوص كثيرة، وقد ذكرنا فيما مرَّ بعضًا منها.

قوله: (وتأخير الْإنْزَال) عطف عَلَى جواز النسخ أي ودلت الآية أَيْضًا عَلَى تأخير

الْإنْزَال أي تأخير الْإنْزَال الآية وتركها في اللوح أو تأخير إنزالها عن النسخ إلَى وقت

معلوم. والْمَعْنَى الأول هُوَ الراجح كما مَرَّ تفصيله(إذ الأصل اخْتصَاص أن وما يتضمنها

بالأمور المحتملة).

قوله: (وذلك) أي جواز النسخ وقيل أي إنما دلت الآية عَلَى أمرين وهذا كما ترى.

قوله: (لأن الأحكام شرعت) أي الأحكام الشرعية العملية؛ إذ لا يجري النسخ في

الأحكام الاعتقادية، وإنما لم يقيد بها؛ إذ الْمُتَبَادَر الأحكام العملية (والآيات) الدَّالَّة عَلَى

الأحكام العملية (نزلت لمصالح العباد) ومنافعها. قوله(وتكميل نفوسهم فضلًا من الله

ورحمة)كعطف تفسير للمصالح وتكميل النفوس باكتساب العقائد الحقة واقتراف الْأَعْمَال

الصالحة والآيات الْقُرْآنية متكفلة بذلك، لكن الظَّاهر أن الْمُرَاد هنا تكميل النفوس باستكمال

الْقُوَّة العملية بقرينة قوله (وذلك يختلف) ولك أن تعم، فقوله وذلك يختلف باعْتبَار بعض

أنواعه فضلًا من الله تَعَالَى؛ إذ لا وجوب عليه تَعَالَى كما لا وجوب عنه(باخْتلَاف الأعصار

والأشخاص)فلعل ما يكون مصلحة في وقت يصير مفسدة بعده فينسخه وما لا يكون

مصلحة حِينَئِذٍ يكون مصلحة الآن فيثبته مكانه حتى لو نزل المتقدم في أيام المتأخّر لنزل

على وفقه؛ ولذلك قال عَلَيْهِ السَّلَامُ:"لو كان مُوسَى حيًّا لما وسعه إلا اتباعي". كذا قال المص

في تفسير قَوْلُه تَعَالَى: (وَآمنُوا بمَا أَنْزَلْتُ مُصَدّقًا لمَا مَعَكُمْ) قوله(كأسباب

المعاش فإن النافع في عصر)كلباس الصيف فإنه نافع فيه (قد يضر في عصر غيره) وهو

الشتاء وبالعكس وكالأطعمة والأشربة فإن بعضها نافع في الصيف مضر في الشتاء وبعضها

الآخر بالعكس كما عرف في فن الطلب، وبهذا البيان ظهر الْجَوَاب عن إشكال الْيَهُود بأن

النسخ لو كان جائزًا لزم أن يكون الشيء الواحد حسنًا لكونه مأمورًا أولًا، وقبيحًا لكونه منهيًا.

وهو محال بأن كون الشيء الواحد حسنًا مأمورًا في عصر، وكونه منهيا قبيحًا في عصر آخر

لا ضير فيه كأسباب المعاش فإن واحد منهما قد يكون نافعًا في وقت ويكون ذلك الشيء

بعينه ضارًا في وقت آخر، وإنما المحال كونه حسنًا وقبيحًا في عصر واحد وبالنسبة إلَى

ـــــــــــــــــــــــــــــ

* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *

قوله: وتأخّر الْإنْزَال بالجر عطف عَلَى النسخ في قوله عَلَى جواز النسخ. وجه دلالة الآية

على جواز إنزال النَّاسخ ما ذكره من قوله وذلك لأن الأحكام الخ. وحاصله أن ما يصلح بحال العباد

من حكم يقتضيه حالهم وينفعهم في زمان قد يضرهم في زمان آخر لتغير الأمور والأحوال بسبب

تطاول الدهور والأعصار فيقتضي حالهم إنزال حكم آخر يخالف الحكم المتقدم لما أن صلاح

حالهم وانتظام أمورهم بذلك الحكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت