أشخاص معينة، ولا يلزم ذلك والاعتراض عَلَى المص بأن هذا القائل غافل عن قَوْلُه تَعَالَى:
(فَبظُلْمٍ منَ الَّذينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهمْ طَيّبَاتٍ) وعن دلالته عَلَى أن النسخ
قد يكون عضبًا فساقط غاية السقوط؛ لأن هذا المعترض ذاهل عن قَوْلُه تَعَالَى:(مَا نَنْسَخْ منْ
آيَةٍ أَوْ نُنْسهَا)الآية. فإن الحرمة الْمَذْكُورة لو لم يكن خيرًا من حل الطيبات أو مثلها لاختل
هذا الْكَلَام؛ إذ الحرمة الْمَذْكُورة مصلحة في حقهم، وإن كان في صورة الغضب فهو تفضل
من اللَّه تَعَالَى ورحمة كي يتنبهوا ولم يصروا عَلَى ما فعلوا ثم اعتراضه عليه بأن قوله وذلك
يختلف باخْتلَاف الأعصار مبناه عن الغفول عن أن النسخ قد يكون قبل العمل بالمنسوخ
مبناه الذهول التام عن أن الحكم عَلَى الجنس بالشيء بالنظر إلَى أغلب أفراده شائع في كلام
الحكماء والبلغاء لا سيما في كلام الله تَعَالَى، ولا ريب في ندرة النسخ قبل العمل بالمنسوخ
على أن بعضهم نقل عن الأئمة إنكار ذلك منهم إمامنا أبو منصور الماتريدي فحِينَئِذٍ لا
إشكال أصلًا.
قوله: (واحتج به) أي بالنظم وفي نسخة بها أي بالآية. (من منع النسخ بلا بدل) فإن
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: واحتج بها من منع النسخ بلا بدل معنى الاحتجاج بها مُسْتَفَاد من مفهوم الْجَزَاء ومنع
النسخ ببدل أثقل مأخوذ من لفظ خير فإنه الْمُتَبَادَر فيه معنى الأخف لا الأشق الأثقل متعلقًا بخير
أو مثل بدلين من المنسوخ ومنع نسخ الْكتَاب بالسنة مأخوذ من إسناد نأت إلَى ضمير الباري تَعَالَى
وهو اذكره من النَّاسخ هُوَ المؤتى بدلًا والسنة ليست كَذَلكَ أي ليست السنة بدلًا للحكم المنسوخ
الذي هُوَ حكم الله تَعَالَى. قال الإمام: قال قوم لا يجوز نسخ الحكم إلا إلَى بدل، واحتجوا بأن هذه
الآية تدل عَلَى أنه تَعَالَى إذا نسخ لا بد وأن يأتي بعده بما هُوَ خير منه أو بما يكون مثله وذلك
صريح في وجوب البدل. الْجَوَاب: لم يجوز أن يقال الْمُرَاد أن نفي ذلك الحكم وإسقاط التعبدية
خير من ثبوته في ذلك الوقت، ثم الذي يدل عَلَى وقوع النسخ لا إلَى بدل أنه نسخ تقديم الصدقة
بين يدي مناجاة الرَّسُول لا إلَى بدل. وقال قوم آخرون لا يجوز نسخ الشيء إلَى ما هُوَ أثقل منه.
واحتجوا بأن قوله (نَأْت بخَيْرٍ منْهَا أَوْ مثْلهَا) ، ينافي كونه أثقل لأن الأثقل لا يكون
خيرًا منه ولا مثله. والْجَوَاب: لم لا يجوز أن يكون الْمُرَاد بالخير ما يكون أكثر ثوابًا في الْآخرَة ثم
الذي يدل عَلَى وقوعه أن الله سبحانه نسخ في حق الزناة الحبس في البيوت إلَى الجلد والرجم
ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان، وكانت الصلاة ركعتين عند قوم فنسخت بأربع في الحضر، وأما
نسخ الشيء إلَى الأخف فكنسخ المدة من حَولٍ إلَى أربعة أشهر وعشرًا، وأما نسخ الشيء إلَى المثل
فكالتحويل من بيت المقدس إلَى الكعبة. وقال الشافعي رحمه اللَّه: الْكتَاب لا ينسخ بالسنة المتواترة
واستدل عليه بهذه الآية من وجوه: أحدها أنه تعالى أخبر بأن ما ننسخه من الآي نَأْت بخَيْرٍ منْهَا
وذلك يفيد أنه يأتي بما هُوَ من جنسه، وثانيها أن قوله (نَأْت بخَيْرٍ منْهَا) يفيد أنه هو
المتفرد بالإتيان بذلك الخير، وذلك هُوَ القرآن الذي هُوَ كلام الله دون السنة التي يأتي بها الرَّسُول
وثالثها أن قوله (نَأْت بخَيْرٍ منْهَا) يفيد أن المأتي به خير من الآية. والسنة لا تكون خيرًا من الْقُرْآن.
ورابعها أنه قال (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَديرٌ) دل عَلَى أن الآتي بذلك
الخير هُوَ المخصص بالقدرة عَلَى جميع الحيرات وذلك هُوَ اللَّه تَعَالَى.