والميل مع الحق) فمن حيث للابتداء أي ابتداء تمنيهم ذلك منْ عنْد أَنْفُسهمْ وتشهيهم أي
اتباع هواهم لا من قبل التدين. أي في اعتقادهم يعني أن حسدهم ليس نائشًا من أجل
اعتقادهم التدين والميل إلَى الحق؛ لأنهم ودوا ذلك منْ بَعْد مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ، وكل مَن هذا
شأنه فلا يكون حسده لأجل اعتقاده أنه الحق، وإنما أولناه بذلك؛ لأن عدم كون ذلك الحسد
من قبل التدين في نفس الأمر من أجلى البديهيات.
قوله: (أو بـ(حَسَدًا) أي (حَسَدًا) بالغًا منبعثًا من أصل نفوسهم) أي أو متعلق بـ (حَسَدًا) لكونه
مصدرًا. والْمَعْنَى أي حَسَدًا بالغًا إلَى أقصى مراتبه لكونه منبعثًا من أصل نفوسهم أي من
أصل ذواتهم كأنهم مجبولون عليه كالأمر الجبلي ولا يكون منبعثًا بسَبَب الخارج العارض
فإن زواله مرجو دون ما هُوَ ذاتي له، وفيه من المُبَالَغَة في التشنيع ما لا يخفى. وفي قوله
منبعثًا إشَارَة إلَى أن الظَّرْف مُسْتَقرّ وتقدير الْفعْل الخاص عند ظهور القرينة صحيح بل مفيد
وسره أن ابن الشجري رد في أماليه أن الحسد لم يعرف تعديه بمن فالْمُرَاد بالتعلق التعلق
المعنوي وكذا رد تعدى ودَّ بمن. وقيل إن مراد الْمُصَنّف يتعلقه بـ ودَّ التعلق المعنوي أَيْضًا
لكن الظَّاهر من تقريره أن الظَّرْف في الأول لغو وفي الثاني مُسْتَقرّ.
قوله: (منْ بَعْد مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) بالمعجزات والنعوت الْمَذْكُورة في التَّوْرَاة) متعلق
بـ ودَّ مقيدًا يكون الود منْ عنْد أَنْفُسهمْ، فلا إشكال بتعلق الجارين به و (ما) مصدرية أي من بعد
تبين الحق لهم والتَّعْبير بالتبين لكمال ظهوره حتى كأنه ظهر بنفسه بلا تبيين، وتقديم لهم
على الْفَاعل لا للحصر بل لأن ظهور الحق لهم أهم، والْمُرَاد بالحق الدين القويم والْإسْلَام
فإذا ظهر ذلك علموا أن الْمُسْلمينَ متشبثون به وهم مصرون عَلَى الباطل، وفيه بيان شدة
شكيمتهم وفرط جسارتهم عَلَى إبطال الحق. قَوْلُه تَعَالَى: (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا) الفاء جزائية أي
إذا علمتم أن ودادتهم الْمَذْكُورة إنما هي لحسدهم الذي كالطبيعي لا للدين فلا يمكن لكم
إزالتها [فداوموا على] العفو والصفح حتى يأتي أمر الله.
قوله: (العفو ترك عقوبة المذنب) قد سبق أن العفو محو الجريمة من عفا إذا درس
وما ذكر هنا لازمه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
معمول وَدَّ. دل عليه جعل ذلك مَفْعُول تمنوا المشار به إلَى الرد الواقع بعد لو، وفي اللباب ومن
مجيء رد بمعنى صير قوله:
ومن الحدثان نسوة آل سعد ... بمقدار سمدن له سمودا
فرد شعورهن السود بيضا ... ورد وجوههن البيض سودا
وجعل أبو البقاء كفارًا حال من ضمير الْمَفْعُول عَلَى أنها المتعدية لواحد وهو ضعيف.
قوله: أي حَسَدًا بالغًا منبعثًا من أصل أنفسهم. أي بالغا أقصى الغايات، وإنما قيده بالبلوغ
والنهاية ليكون التَّقْييد بقوله (منْ عنْد أَنْفُسهمْ) مفيدًا، وإلا فكل حسد إنما يكون من عند الحاسد.
والحاصل أن قيد (منْ عنْد أَنْفُسهمْ) ينبئ عن الجدلان الصادر عن أصل الشيء يكون ذا قوة وشدة
فلا يظن أن معنى البلوغ مُسْتَفَاد من تنكير حَسَدًا ولا يكون التَّقْييد بهذا القيد لغوًا غير مفيد.