قوله: (أي الجهة التي أمر بها ورضي بها) فإن مكان التولية لا يَخْتَصُّ بمسجد ولا
بقبلة كما يدل عليه قَوْلُه تَعَالَى: (وَللَّه الْمَشْرقُ وَالْمَغْربُ) ولهذا فرع هذا
الْكَلَام عليه. وقيل (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا) بالفاء التفريعية؛ إذ كون المكان محلًا
للعبادة ليس لاستحقاقه الذاتي بل لجعله تَعَالَى محلًا لها فوسع الله تَعَالَى عَلَى العباد وجعل
كل مكان محلًا لها وكل جهة قبلة وقت الاشتباه.
قوله: (فإن مكان التولية يَخْتَصُّ بمسجد أو مكان) يحتمل أن يكون معناه فإن مكان
التولية أي تولية الْوُجُوه إلَى شطر الْقبْلَة المعهودة لا يَخْتَصُّ الخ. بل يصح في كل مكان فـ [حِينَئِذٍ]
لا دلالة في الْكَلَام عَلَى جواز التوجه إلَى أي جهة كانت ويحتمل أن يكون معناه فإن مكان
التولية أي تولية الْوُجُوه إلَى أية جهة كانت فحِينَئِذٍ يكون في الْكَلَام دلالة عَلَى جواز التوجه
إلى أية جهة كانت لكن الاحتمال الأول هُوَ الملائم لتقرير المص. أما أولًا فلأنه جعل فأينما
ظرفًا لـ تولوا لا مَفْعُولا له، وأما ثانيًا فلقوله وعن ابن عمر - رضي الله تَعَالَى عنهما - الخ. فإنه
على هذين الْقَوْلين يكون في الْكَلَام دلالة عَلَى جواز التوجه الْمَذْكُور وتفريع قوله(فَأَيْنَمَا
تُوَلُّوا)عَلَى الوجه الأول ظاهر، وأما عَلَى الثاني فيظهر بالتأمل الثاقب.
قوله: (أو فثم ذاته. أي هُوَ عالم مطلع بما يفعل فيه) فالوجه حِينَئِذٍ عبارة عن الذات
وأما في الوجه الأول وهو المعول فالوجه بمعنى الجهة وهما كالوزن والزنة مصدران في
الأصل نقلًا إلَى الاسم وإضَافَته إلَى الله واخْتصَاصه به لكونه مأمورًا به ولتعظيمه وإذا حمل
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: أي جهته التي أمر بها. لما أوهم ظَاهر قوله سبحانه وجه الله بمعنى جهة الله ثبوت
الجهة له تَعَالَى فسر جهه بجهة أمره فالْإضَافَة في وجه الله مثل الْإضَافَة في بيت الله وناقة اللَّه.
والْمَعْنَى بيت عبادته وناقة نبيه فالْإضَافَة للتشريف.
قوله: أو فثم ذاته هم عَلَى أن يراد بالوجه الذات الذي تجوزًا إطلاقًا لاسم الجزء عَلَى الكل
وتعبيرًا عن الكل باسم أشرف الأجزاء هذا في المخلوق، وأما إذا استعمل ذلك في الخالق عاد
تمثيلًا مثل (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْش اسْتَوَى) ، (وَالسَّمَاوَاتُ مَطْويَّاتٌ بيَمينه)
و (يَدُ اللَّه فَوْقَ أَيْديهمْ) والسَّمَاوَات جَميعًا قبضته والله تَعَالَى منزه عن معنى الاستقرار
واليمين واليد والقبضة، ولما أوهم تفسير الوجه بالذات حصوله تَعَالَى في مكان أزاله [بقوله] أي عالم
مطلع لما يفعل فيه، والْمُرَاد إحاطة عليه بكل ما يفعل في الأمكنة، وهذا الْمَعْنَى أوفق لربط أن الله
واسع بما قبله [لإنبائه] عن معنى الإحاطة بالأشياء [1] .
[1] في المطبوع مقطع مكرر تم حذفه. اهـ (مصحح نسخة الشاملة) .