على الذات مَجَازًا كما في قَوْله تَعَالَى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالكٌ إلَّا وَجْهَهُ) يراد
به علمه مَجَازًا وكناية. قوله مطلع بعد قوله عالم للتنبيه عَلَى كمال علمه وإحاطته بحَيْثُ لا
يعزب عنه شيء أصلًا، ولو تركه لا يضر المقصود، ولفظة ثمة مبني عَلَى الفتح ولا يتصرف
سوى الجر بمن وهو إشَارَة إلَى المكان البعيد لكن البعد ليس بمراد هنا فيكون للمكان
مطلقًا وهو خبر مقدم باعْتبَار متعلقه. ووجه الله مبتدأ مؤخر والْجُمْلَة جواب الشرط. قوله بما
يفعل فيه. الأولى بما يعبد فيه إلا أن يراد التعميم ولا يرضى عنه قلب سليم .
قوله: (بإحاطته بالأشياء أو برحمته يريد التوسعة عَلَى عباده) أي بقدرته أو بملكه
فإسناد السعة إليه تَعَالَى مجاز للمُبَالَغَة، وكذا الْكَلَام في قوله برحمته يريد التوسعة عَلَى عباده
فجعل لهم الْأَرْض جَميعًا مسجدا .
قوله: (بمصالحهم وأعمالهم في الأماكن كلها) أي شيء بنفعهم فيعطيهم
فالتوسعة أنفع لكم، وعن هذا جعل لهم الأماكن كلها معبدًا ومسجدًا، والتضيق أصلح
بحال من قبلكم ؛ ولذا أبيحت لهم الصلاة في مواضع مَخْصُوصة إلا عند الضرورة
وأعمالهم في الأماكن كلها فيجازى عليها، وبهذا البيان اتضح ارتباطه بما قبله ، والْجُمْلَة
تعليل لمضمون الشرط، ولهذا أكد بتأكيدات. وقيل فالجملة تذييل لمجموع قوله:(وَللَّه
الْمَشْرقُ وَالْمَغْربُ)والتعليل أنسب بإيراد كلمة إن .
قوله:(وعن ابن عمر - رضي الله تَعَالَى عنهما - أنها نزلت في صلاة المسافرين عَلَى
الراحلة)أنها أي الآية الكريمة نزلت في صلاة المسافرين عَلَى الراحلة يصلي التطوع حيثما
توجه راحلته، والْمُرَاد بالمسافر الخارج من العمرانات لا الْمَعْنَى الشرعي فإن جواز الصلاة
على الراحلة لا يَخْتَصُّ بالمسافر الشرعي بل يجوز في خارج المصر، أما الفرض فبالعذر
كخوف العدو أو السبع أو كونه في الخشية يخاف الغرق إن توجه إلَى الْقبْلَة فـ [حِينَئِذٍ] يصلي إلَى
أي جهة قدر، وأما النافلة فيجوز بلا عذر فله أن يصلي إلَى أي جهة توجه. أما في المصر فلا
يجوز عند أبي حنيفة رحمه الله تَعَالَى، وعند مُحَمَّد يجوز مع الكراهة، وعند أبي يوسف لا
تكره(وقيل في قوم عميت عليهم الْقبْلَة فصلوا عَلَى أنحاء مختلفة، فلما أصبحوا تبينوا
خطأهم)قال ابْن عَبَّاسٍ - رضي الله تَعَالَى عنهما - خرج نفر من أصحاب رسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ
في سفر قبل تحويل الْقبْلَة إلَى الكعبة فأصابهم الضباب وحضرت الصلاة فتحروا الْقبْلَة
وصلوا فلما ذهب الضباب استبان لهم أنهم لم يصيبوا، فلما قدموا سألوا رسول الله عليه
السلام عن ذلك فنزلت هذه الآية. كذا في المعالم .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: يريد التوسعة عَلَى عباده. أي التوسعة في كل ما يحتاج إليه العباد فيدخل فيها التوسعة
في أمر الْقبْلَة دخولًا أوليًّا، وتعميم معنى التوسعة مُسْتَفَاد من إطلاق واسع حيث لم يقيد بشيء دون
شيء، وكذا إطلاق عليم، والظَّاهر أن الْمُرَاد بالسعة سعة علمه بقرينة تعقيب واسع بعليم فكأنه لبيان
أنه تَعَالَى واسع في علمه ؛ إذ ليس الْمُرَاد حَقيقَة الذات وإلا يلزم التحيز في حيز. تَعَالَى الله عن ذلك
عُلُوًّا كَبِيرًا وهذا أَيْضًا يناسب تفسير الوجه بالذات المحيط علمها بكل ما يفعل في كل مكان .