قوله: (كَذَلكَ) مَفْعُول به لـ قال، ومثل قولهم مَفْعُول مطلق أي مثل ذلك الْقَوْل(قال
الَّذينَ من قبلهم)قولًا متشابهًا بقولهم في العمى والعناد فلا تكرار. قد تقدم
الْكَلَام في توجيه الجمع بين كلمتي التشبيه في قَوْله تَعَالَى:(كَذَلكَ قَالَ الَّذينَ لَا يَعْلَمُونَ
مثْلَ قَوْلهمْ). والحاصل أن فيه تشبيه الْقَوْل نفسه بنفس الْقَوْل الآخر، وتشبيه
المقول بالمقول، وشتان ما بين التشبيهين وإن تلازما، لكن يلزم من مجموعهما جعل الشيء
مشبها مرة ومشبهًا به أخرى لكن بالاعتبارين (من الأمم الْمَاضية) .
قوله: (فقَالُوا أَرنَا اللَّهَ جَهْرَةً) (هَلْ يَسْتَطيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزّلَ عَلَيْنَا
مَائدَةً منَ السَّمَاء)نظير (لَوْلَا يُكَلّمُنَا اللَّهُ) والقائلون هم الْيَهُود(هَلْ
يَسْتَطيعُ رَبُّكَ)الآية. نظير طلب الآية والحجة، والقائلون فقَالُوا هم
الحواريون من النصارى، وجعله هذه الآية من هذا القبيل لأن ظاهره من الشك في قدرة الله
تَعَالَى، كَمَا صَرَّحَ به في الكَشَّاف، وظَاهر كلام المص هناك ناظر، ولما قَالُوا أولًا ذلك جحودًا
وقابلهم عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ قائلًا (اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمنينَ) صرفوا الْكَلَام عن ظاهره الذي
هو الجحود إلَى طلب الأكل والاطمئنان حتى ظن أنهم مؤمنون ومخلصون في إيمانهم
واعترض أنه ليس من هذا القبيل: إياك والظن فإِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ، غاية الأمر أن ذلك من
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: ومن قبلهم. يريد به أن ضمير قلوبهم راجع إلَى الْمُشْركينَ الموجودين في ذلك الزمان
مع من قبلهم من كفرة الأمم الْمَاضية القائلين مثل قولهم. قال صاحب المطلع: فإن قلت: أليس في
قوله: (كَذَلكَ قال الَّذينَ منْ قَبْلهمْ) مقنع في التشبيه حتى كرر ذلك بقوله(مثل
قولهم)؟ قلنا ليس التكرار في تشبيه واحد، بل هما تشبيهان: الأول في نفس الاقتراح، والثاني من
المقترح. أقول: هذا هُوَ التوجيه الذي ذكره بعضهم في الآية المتقدمة حيث قَالُوا فيه التشبيه الأول في
المقول، والثاني في الْقَوْل قَالُوا قولًا مثل قولهم بأن يكون كافٍ. كَذَلكَ مَفْعُولًا به للْقَوْل ومثل قولهم
مَفْعُولًا مُطْلَقًا له أي قولًا مثل قولهم، لكن لا يرى في ذلك التأويل زيادة جدوى، فإنه مثل ما يقال
قَالُوا مثل مقولهم، فالظَّاهر أن يكون كَذَلكَ مَفْعُولًا به لـ (قَالُوا مثل قولهم) فالظَّاهر أن يكون كَذَلكَ
مَفْعُولًا به لـ قَالُوا المقدر قبله كلما ذكرنا هناك أو خبر مبتدأ مَحْذُوف كما ذكره الطيبي حيث قال:
يجوز أن يكون التشبيه الأول توطئة للثاني. فقوله (مثل قولهم) مَفْعُول مطلق لقوله(قَالَ الَّذينَ منْ
قَبْلهمْ)وكَذَلكَ خبر مبتدأ مَحْذُوف أي الشأن والأمر مثل ذلك أي جرت عادة
النَّاس عَلَى ما شوهد من هَؤُلَاء ثم استؤنف بقوله (قَالَ الَّذينَ منْ قَبْلهمْ) بيانًا
وتفسيرًا للشأن والأمر، وفي الكَشَّاف: تشابهت قلوب هَؤُلَاء ومن قبلهم في العمى، كقوله (أَتَوَاصَوْا به)
ما قبله (كَذَلكَ مَا أَتَى الَّذينَ منْ قَبْلهمْ منْ رَسُولٍ إلَّا قَالُوا سَاحرٌ أَوْ مَجْنُونٌ(52) أَتَوَاصَوْا به). والضَّمير
للْقَوْل أي أتواصى الأولون والآخرون بهذا الْقَوْل حتى قالوه جَميعًا متفقين عليه، والهمزة للتعجب
من اتفاقهم .