فهرس الكتاب

الصفحة 1785 من 10841

تَعَالَى: (لكُلٍّ جَعَلْنَا منْكُمْ شرْعَةً وَمنْهَاجًا) وكذا الدين عام لهما والملة

أَيْضًا وقد تطْلَق الملة عَلَى العقائد فقط، وهو الْمُرَاد في قوله: (اتَّبعْ ملَّةَ إبْرَاهيمَ)

وقد يطلق الدين عَلَى الفروع خاصة .

قوله: (من أمللت الْكتَاب إذا أمليته) يعني أن الملة من الإملال مضاعفًا بمعنى

الإملاء ناقصًا فمعنى أمليته كتبته. قيل ولا يختلف الْأَنْبيَاء عليهم السلام، وقد يطلق عَلَى

الباطل كالكفر ملة واحدة، ولا تضاف إلَى الله تَعَالَى فلا يقال ملة الله ولا إلَى آحاد الأمة

انتهى. والنص الكريم حيث أضيفَت الملة إلَى الْيَهُود والخصارى شاهد عليه، ورد له إلا أن

يقال إن مراده أنها لا تضاف إلَى آحاد الأمة كأن يقال ملة زيد وعمرو، وأما الْإضَافَة إلَى

جميع الأمة كأن يقال ملة الْيَهُود وملة النصارى، فلا مساغ لإنكارها. قوله ولا تضاف إلَى

آحاد الأمة إشَارَة إليه حيث لم يقل ولا تضاف إلَى الأمة بل إلَى آحاد الأمة، وأما الدين فهو

يضاف إلَى الله تَعَالَى لصدوره عنه تَعَالَى، وإلى النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لظهوره فيه، وإلى الأمة

لتدينهم وانقيادهم به، ولم يتعرضوا لإضافة الشريعة، والظَّاهر من كلامهم أنها تضاف إلَى الله

تَعَالَى يقال شرع اللَّه وشريعته تَعَالَى وإلى النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وإلى الأمة والتردد في إضَافَتها

إلى الآحاد كأن يقال شريعة زيد وعمرو كما يقال شريعة أمة مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَامُ، والظَّاهر

المنع كالملة، وأما الدين فلا مساغ لإنكار إضَافَته إليه كان يقال دين زيد وعمرو لا يخفى

عليك أن أمثال هذا بناء عَلَى العرف ولا فساد في الْإضَافَة إلَى الجميع في الكل .

قوله: (والهوى رأي يتبع للشهوة) أي للشهوة الغير المستقيمة، وأما الاتباع للشهوة

المستقيمة كاتباع المرأة بالنكاح أو ملك اليمين وكتناول الأطعمة النفيسة الطيبة فهو غير

مذموم بل ممدوح فلا يقال في مثل هذا الاتباع هوى، وإنَّمَا أطلق الشهوة لأن الْمُتَبَادَر منها

الشهوة المخالفة للشرع والرأي الفكر والنظر، وقد يطلق عَلَى ما يحصل بالنظر ثم اتسع

فأطلق عَلَى خواطر النفوس مُطْلَقًا وهي الْمُرَاد هنا، ولما كان الهوى بهذا الْمَعْنَى مقابلًا للملة

آخر تفسير في الملة إلَى هنا لقصد ذكرها في جنب مقابلها لينكشف انكشافًا تامًا، وإنما جمع

الهوى لأن طرق الضلالة متعددة وطريق الهداية واحدة، كَمَا صَرَّحَ به في تفسير قَوْلُه تَعَالَى:

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرجُهُمْ منَ الظُّلُمَات إلَى النُّور) الآية. عَلَى أن

الْمُرَاد هنا أهواء الطائفتين، وإذا اعتبر إفرادهما كان إيراد الجمع أحسن المسلكين .

قوله: (أي من الوحي أو الدين) هذا ترديد في العبارة إن الْمُرَاد بالوحي الموحى به

إما مَجَازًا أو حَقيقَة عرفية، وإنَّمَا فسره به ؛ إذ مجيء العلم بلا ملاحظة المعلوم وتعلقه به غير

متصور لكون العلم عند الْمُتَكَلّمينَ إما صفة حقيقية ذات إضافة أو نفس الْإضَافَة، وعلى

التقديرين يحتاج إلَى المتعلق فيراد مجيء المعلوم مَجَازًا مرسلًا لكون المعلوم شرطًا للعلم

لما عرفت من أنه يحتاج إلَى المعلوم فذكر المشروط، وأريد الشرط وكون ذلك المعلوم

وحيًا أو دينًا معلوم بمعونة المقام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت