قوله:(لأنها أمانة من اللَّه تَعَالَى وعهد، والظالم لا يصلح لها، وإنما ينالها البررة الاتقياء
منهم)لأنها أي الإمامة أمانة من الله تَعَالَى. أشار بذلك إلَى أن العهد بمعنى الأمانة وسمى
الأمانة عهدًا لأنها مما يتعهد ويحفظ، والظالم لا يصلح لها لأن الْمُرَاد بالإمامة النبوة لا
الخلافة فقط. قوله وفيه دليل عَلَى عصمة الْأَنْبيَاء قبل البعثة إشَارَة إليه. وقال الفاضل الخيالي
في بحث الخلافة وقد يقال الْمُرَاد بالإمام هَاهُنَا أي في قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ من مات ولم يعرف
إمام زمانه مات ميتة جاهلية هُوَ النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قال الله تَعَالَى لإبْرَاهيم:(إني جاعلك
للناس إمامًا)الآية. فاحتجاج البعض بقَوْلُه تَعَالَى(لا يَنَالُ عَهْدي
الظَّالمينَ)عَلَى اشتراط أن يكون الإمام الخَليفَة معصومًا ضعيف جدًا إلا
أن يقال إن الاحتجاج الْمَذْكُور عَلَى رأي بعض الْمُفَسّرينَ ثم تكلموا في اشتراط عصمة
الإمام غير النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فقال النحرير التفتازاني العصمة ليست بشرط ابتداء فبقاء أولى
وعن هذا لا ينعزل الإمام بالفسق والجور، وقال مَوْلَانَا الخيالي يرد عليه أنه إن أريد بالعصمة
ملكة الاجتناب فلا تقريب ؛ إذ المطلوب أن لا يشترط عدم الفسق وإن أُريد عدم الفسق فعدم
اشتراطه ابتداء ممنوع قَالُوا يشترط العدالة في الإمامة لأن الفاسق لا يصلح لأمر الدين ولا
يوثق لأوامره انتهى. ولأن الفاسق لا يصلح لأمر الدُّنْيَا فيضيع الحقوق ولا يوثق لنواهيه أَيْضًا
وهذا التفعيل هُوَ أحسن الأقاويل. قيل ولا فرق عند أبي حنيفة بين القاضي والخَليفَة في أن
شرط في كل واحد منهما العدالة وأن الفاسق لا يكون خَليفَة ولا حاكمًا ومذهبه فيه معروف
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: (والظالم لا يصلح لها، وإنَّمَا ينالها البررة الاتقاء منهم وفي الكَشَّاف(لا يَنَالُ عَهْدي
الظَّالمينَ)أي من كان ظالمًا من ذريتك لا يناله استخلافي وعهدي إليه بالإمامة، وإنما ينال من كان
عادلًا بريئاً من الظلم، وقَالُوا في هذا دليل عَلَى أن الفاسق لا يصلح للإمامة، وكَيْفَ يصلح لها من لا
يجوز حكمه وشهادته ولا يجب طاعته ولا يقبل خبره ولا يقدم للصلاة؟ وكان أبو حنيفة رحمه الله
يفتي سرًا بوجوب نصرة زيد بن علي - رضي الله عنه - وحمل المال إليه والخروج معه إلَى اللص
المتغلب المتسمى بالإمام والخَليفَة كالدوانيقي وأشباهه، وقالت له امرأة أشرت عَلَى ابني بالخروج
مع إبراهيم ومُحَمَّد بن عبد الله بن الحسن حتى قتل فقال ليتني مكان ابنك، وكان يقول في المنصور
وأشياعه: لو أرادوا بناء مسجد وأرادوني عَلَى عد أجره لما فعلت، ومن ابن عيينة لا يكون الظالم
إمامًا قط، وكَيْفَ يجوز نصب الظالم للإمامة، والإمام إنما هُوَ لكف الظلمة فإذا نصب من كان ظالمًا
في نفسه فقد جاء المثل السائر"من استرعى الذئب ظلم هذا"قَالُوا ودلالة الآية.عَلَى أن الظالم لا
يستخلف حال كونه ظالمًا ظاهرة، وليس فيها دلالة عَلَى انعزال الخليفة بالظلم الطارئ بعد
الاستخلاف وعليهم أكثر الفقهاء والدوانيقي هُوَ عبد الله أبو جعفر منصور ثاني خلفاء بني العباس
سمي بالدوانيقي لأنه زاد في الخراج دانقا، والأصل دوانيقي والياء من إشباع الكسرة والمنصور
الدوانيقي هُوَ الذي أراد أن يولي أبا حنيفة القضاء فأبى فحلف عليه ليفعلن وحلف أبو حنيفة أن لا
يفعل، وتكررت الأيمان بَيْنَهُمَا فحبسه المنصور ومات في الحبس. كذا في جامع الأصول .