أريد التوجه إليه، فالأمر للوجوب كما للآفاقي مرضه لكونه مخالفًا لما اشتهر ؛ إذ المقام
كان حَقيقَة عرفية في مَوْضع الْحَجَر اليوم. وقيل الْمُرَاد به [مواقف] الحج عرفة ومزدلفة
والجمار وضعفه ظَاهر مما مَرَّ .
قوله: (وقرأ نافع وابن عامر(وَاتَّخَذُوا) بلفظ الْمَاضي عطفًا عَلَى جعلنا) هذا العطف غير
حسن عند من اشترط اتحاد المسند والمسند إليه بين المتعاطفين. ووجه حسنه أن الغرض
بيان أحوال البيت والجعل الْمَذْكُور والاتخاذ المزبور من الأحوال المختصة به، وإنما قال
جعلنا احترازًا عَمَّا قيل إنه عطف عَلَى ؛ إذ جعلنا فإنه [حِينَئِذٍ] يحتاج إلَى تقدير ؛ إذ أي وإذ اتخذوا
فيكون الْكَلَام جملتين، وأما عَلَى ما اختاره فيكون الْكَلَام جملة واحدة، فإنه مَعْطُوف عَلَى
جعلنا المجرور بإذ تقديرا، فما اختاره لسلامته عن الحذف أولى، ولم يلتفت إلَى ما قاله أبو
البقاء من أنه مَعْطُوف عَلَى مَحْذُوف تقديره فثابوا واتخذوا؛ لأن التقدير خلاف الظَّاهر لكن
اتحاد المسندين متحقق واختياره مستحسن .
قوله: (أي واتخذ النَّاس مقامه) أي مقام إبْرَاهيم .
قوله: (الموسوم به) أي المعروف به، فالمقام مجاز عن المحل المنسوب إليه .
قوله: (يعني الكعبة قبلة يصلون إليها) معنى مصلى لكن لا لكونه محلًا للصلاة بل
لكونه متوجهًا إليه في الصلاة، فيكون مصلى مَجَازًا فيه لعلاقة القرب والمجاورة بالنسبة إلَى
بعض المصلين، وأما تسمية مقام إبْرَاهيم فلاشتماله ذلك المقام فيكون تسمية الكل باسم الجزء
ففي هذه القراءة حمل المقام والمصلى عَلَى معنى غير معناهما في القراءة الأولى. أعني قراءة
(وَاتَّخذُوا) بصيغَة الأمر ومعناهما فيها خال عن التَّكَلُّف؛ ولهذا قدمها وجعلها أصلًا .
قوله: (أمرناهما) العهد أصل وضعه لما من شأنه أن يتعهد ويراعي كالوصية واليمين
مثلًا، فالظَّاهر أن العهد هنا مجاز عن معنى الوصية، وهذا معنى ما قيل العهد الموثق وإذا
عُدي بـ إلى كان معناه الوصية كذا في التاج، ولما كان هذا التوجيه بطَريق الأمر فسره بالأمر.
ولما كان الأمر متعديًا بنفسه قال أمرناهما بدون لفظة إلَى، وقيل بالتَّضْمين أو جعل العهد
بمعنى الوحي، وهذا الأخير لا يبعد أن يكون مراد المص ؛ إذ الأمر لا يكون إلا بالوحي، وكون
إبْرَاهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ النَّبيّ في ذلك الوقت دون إسْمَاعيل عَلَيْهِ السَّلَامُ لا يضر لأن الأمر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: أي واتخذ النَّاس مقامه الموسوم به. أي واتخذ النَّاس المقام الموسوم بمقام إبْرَاهيم وهو
الكعبة قبلة أي اتخذوا ذلك المقام قبلة يصلون إليها، وسبب العدول عن صيغة الأمر إلَى لفظ الخبر
للدلالة عَلَى سرعة امتثالهم للمأمور به، كأنهم أُمرُوا باتخاذ مصلى وامتثلوا فأخبر عن امتثالهم ، كما أنه هو
النُّكْتَة في فَأَتَمَّهُنَّ إذا فسرت الكلمات بالأوامر والنواهي، فكأنه أي إبْرَاهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ أتى بجميع ما أمر
به، وانتهى عن جميع ما نهى عنه، فأخبر الله تَعَالَى عن ذلك بقوله فَأَتَمَّهُنَّ. أي قال فَأَتَمَّهُنَّ .