قوله: (أبدل من من باللَّه بدل البعض للتَّخْصِيص) وجه الإبدال لإفادة زيادة
التقرير؛ لأن المتبوع مشتمل في بدل البعض عَلَى التابع إجمالًا فكأنه مذكور أولًا ولإفادة
التوضيح أَيْضًا والتَّفْسير أَيْضًا لما فيه من التَّفْصيل بعد الإجمال، وأما التَّخْصِيص فلا
يعدونه من نكتة الإبدال والكَشَّاف ساكت عن هذا عَلَى أن فيه نوع مصادرة؛ لأن كونه
بدل البعض معنى التَّخْصِيص ومعنى التَّخْصِيص أي تَخْصيص الدعاء بالْمُؤْمنينَ إظهارًا
لشرف الإيمان وأنه سبب للخصب والرخاء، ودفع الضرر والبلاء وترغيب لقَوْمه في
الإيمان وزجر عن الكفر والطغيان .
قوله: (عطف عَلَى من آمن. والْمَعْنَى وارزق من كفر) أي عطف التلقين قال تَعَالَى
تعليمًا لإبْرَاهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ كأنه قال قيل وارزق ومن كفر فإنه مجاب أَيْضًا وما ذكر من أن
الْمَعْنَى وأرزقُ بلفظ التَّكَلُّم تقرير للمعنى لا تقدير للفظ. نقل عن النحرير التفتازاني أنه قال:
والذي يقتضيه النظر الصائب أن يكون هذا مَعْطُوفًا عَلَى مَحْذُوف أي ارزق من آمن ومن
كفر أَيْضًا بلفظ الخبر واجعلني إمامًا وبعض ذريتي بلفظ الأمر فيحمل التناسب ويكون
الْمَعْطُوف والْمَعْطُوف عليه مَفْعُولًا واحدًا انتهى. وهذا يخالف ما سبق في تفسير قَوْلُه تَعَالَى
(وَمنْ ذُرّيَّتي) حيث قال هناك ولم يجعله بتقدير أمر أي واجعل بعض
ذريتي احترازًا عن صورة الأمر، وإن تكلمنا عليه بأن عامة الدعاء بصيغَة الأمر فأنطق الله
الحق هنا من حيث لا يشعر .
قوله: (قاس إبْرَاهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ الرزق عَلَى الإمامة) فنبه سبحانه عَلَى أن الرزق
رحمة دنيوية تعم الْمُؤْمن والكافر بخلاف الإمامة والتقدم في الدين. وجه الْقيَاس أن الرزق
موهب إلهي كالإمامة، فخص سؤاله بالْمُؤْمنينَ فنبه سبحانه وتَعَالَى عَلَى الفرق بَيْنَهُمَا المانع
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: للتَّخْصِيص أي أبدل هُوَ منه لتَخْصيص أهل الإيمان منهم بدعاء حصول الرزق لهم
دون من عداهم من أهل الكفر .
قوله: عطف عَلَى من آمن. وهذا كما في قول إبْرَاهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ (وَمنْ ذُرّيَّتي) عطف تلقين
أي قال الله تَعَالَى وارزق من كفر أي. وقيل وارزق من كفر فأنا استجيب دعاءك، وسبب تَخْصيص
إبْرَاهيم عليه السَّلام أهل الإيمان بدعاء حصول الرزق لهم وإخراج الباقين عنه أن إبْرَاهيم عليه
السلام لما علم من الآية المتقدمة أن عهد الإمامة لا ينال الظَّالمينَ قاس الرزق عَلَى الإمامة فظن
الرزق لا ينال الظالم والكافر ظالم (إنَّ الشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظيمٌ) فرد الله تَعَالَى ذلك بعطف التلقين
بقوله ومن كفر دلالة عَلَى أن قياسه ذلك قياس مع الفارق، وفي الكَشَّاف فإن قلت: لم خص إبْرَاهيم
عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمُؤْمنينَ حتى رد عليه؟ قلت: قاس الرزق عَلَى الإمامة فعرف الفرق بَيْنَهُمَا؛ لأن
الاستخلاف استرعاء يَخْتَصُّ بمن ينصح للمرعى، وأبعد النَّاس عن النعمة الظالم بخلاف الرزق
فإنه قد يكون استدراجًا للمرزوق وإلزاما للحجة له. والْمَعْنَى وارزق من كفر فَأُمَتّعُهُ ،والْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ:
العطف في ومن كفر عطف تلقين، وفي قوله ومن ذريتي إنه كعطف التلقين رعاية للأدب؛ لأن كون
الملقن لإبْرَاهيم هُوَ الله سبحانه وتَعَالَى أولى من عكسه .